فلم تكد تمضي بضعة شهور؛ حتى أعلنت وزارة العدل المصرية (5/ 6/2011) أن النيابة الإدارية تلقت 76609 قضايا و 17 ألف شكوى فساد. وفي ذات التاريخ أعلن د. عبد الفتاح عمر، رئيس اللجنة الوطنية التونسية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة، أن اللجنة تحقق في أكثر من تسعة آلاف ادعاء بالفساد والرشوة، منها حوالي ثمانية آلاف ملف تلقتها من المواطنين.
مثل حكام تونس ومصر، لم ينازع أحد في كونهم ولاة أمور قبل الثورات، يتمتعون بالشرعية التي تمنح الحاكم حق معاقبة كل من يخرج على سلطانه أو ينتقده. لكنهم أصبحوا، بين عشية وضحاها، «طغاة» و «مستبدين» ، و «أصناما» يستحقون «القتل» و «المحاكمة الجنائية» وليس «العفو» ، لقاء ما ارتكبوه من جرائم ومظالم بحق الأمة والدين!
عجبا! أوَ لم يكونوا أولى بالعقاب قبل أن تباغتهم الشعوب؟ لاسيما وأنهم ارتكبوا جرائم قتل بالجملة في أوقات سابقة، كما هو حال القذافي في مجزرة سجن أبو سليم (1996) أو الأسد في مجازر حماة (1982) ؟
لو كانت الإجابة بـ «نعم» لتعارضت الفتاوى، بالتأكيد، مع أهداف «المركز» واحتياجاته!!! ولأنها كانت «لا» فقد انتسي الضحايا وذهبت دماءهم دون قصاص. أما الجماعات الخارجة على النظم فقد استحقت، بامتياز، كل مفردات الإدانة والتفسيق والضلال والخروج عن الشرع!! ووجب عليها القيام بـ «مراجعات شرعية» تنتهي باعتبار «الطاغية» ممن يحق له التمتع بصفة «ولي الأمر» الذي تجب طاعته، ويحرم الخروج عليه، سلما أم حربا. لكن ما هي القيمة الشرعية لـ «المراجعات» اليوم؟ وما هو موقف الذين عملوا على إخراجها وإجازتها؟ وبأية مشروعية تمت إجازتها؟ وكم من ولي أمر شرعي سقطت شرعيته وما زال، فوق المساءلة، وقيد التبجيل والتعظيم والتقديس، وكأنه المعصوم عن الخطأ؟
... عجيب كل العجب ما يجري من قتل في اليمن، وقتل وحشي في سوريا، لا مثيل له حتى عند أشد المجرمين بطشا. لكن الأعجب هو حال الثورة الليبية التي تواجه مجرما أهوجا لا يقل عما تواجهه الثورة السورية. ومع ذلك فقد حظي «الناتو» بغطاءين سياسيين: الأول: خليجي، والثاني: من الجامعة العربية، للتدخل العسكري ضد القذافي. وصدرت فتاوى شرعية تبرر هذا التدخل لحماية الناس من خطر الإبادة على يد القذافي وكتائبه الأمنية المتوحشة. لكن حين خرجت عليه الجماعة الليبية المقاتلة اتهمت بسفك دماء الأبرياء، واستدعيت من داخل السجون للتراجع عن أفكارها المتطرفة وغير الشرعية!!! وذات الأمر حصل في مصر وموريتانيا.
بالتأكيد لا يمكننا، وليس من شيمنا وقناعتنا وشريعتنا، أن ننتصر للطغيان والاستبداد. لكن يبقى السؤال مطروحا في إطار المفارقات التي أنتجتها الثورات الشعبية: كيف يكون خروج جماعة إسلامية على طاغية حراما