فلماذا؟ وبأي منطق؟ ولأية مصلحة شرعية وحتى أخلاقية؟ يجيز المجلس لنفسه الاستعانة بقوى الطغيان العالمي للتخلص من الاستبداد بينما يعلن عداوته الصارخة ضد حق الأفغان في طرد الغزاة من بلادهم أو التخلص من العملاء والمستبدين والفاسدين؟ ولما يكون المجلس قد أعلن عداءه للدول التي ناصرت القذافي؛ فبأي حق يجيز لـ «الناتو» محاربة «طالبان» ، وقتل الشعب الأفغاني؟ هل هو رد الجميل لـ «الناتو» ؟ أم هو تعبير عن رأي الثوار والشعب الليبي؟ وهل يحمل البيان ذرة أخلاقية تجاه القتل اليومي الذي تمارسه طائرات «الناتو» بحق المدنيين والأطفال؟ وأخيرا: ما هو رد المجلس الانتقالي على قرار الأمم المتحدة الأخير، القاضي، بحسب النص، بالتمييز ما بين «طالبان» كحركة «تحرر وطني» و «القاعدة» كـ «تيار عالمي» ؟
لا ريب أن علامات الاستفهام حول هوية المجلس وتركيبته وسياساته وتحالفاته مع الغرب لم تعد موضع تساؤل، خاصة مع حلول جيوش الاستخبارات الأجنبية على الشرق الليبي منذ الأيام الأولى للثورة. ورغم أن المجلس نفى، بلسان ناطقه الرسمي عبد الحفيظ غوقة، أن يكون قد أرسل رسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تتعلق بتعهد المجلس إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وليبيا، إلا أن النفي لا يكفي لتكذيب ما صرح به الكاتب الفرنسي برنار هنري ليفي، اليهودي الأصل، والصهيوني الفصل، خاصة وأنه كان شريكا فاعلا في غرف العمليات والاجتماعات، منذ الأيام الأولى للثورة، وليس مناصرا، وهو ما لا يستطيع المجلس نفيه.
الطريف في الأمر، أن ما يخفيه المجلس أو ينفيه يكشفه المجلس نفسه والحلفاء. فبعد مضي قرابة الشهرين على اندلاع الثورة الليبية؛ وبعد بيان المجلس بشأن طالبان، أدلى وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني لصحيفة «لا ستامبا - 9/ 4/2011» الإيطالية بتصريحات ذات دلالة بالغة عن هوية المجلس الانتقالي قال فيها: «ما أدهشني في ممثلي هذا المجلس هو العلمانية المميزة» .. لذا: «لن تكون هناك خلافة ... » فقد: «قمنا برصد دقيق جدًا» في ليبيا، و «في أول حديث، أوضح لي رئيس المجلس الانتقالي في بنغازي، أنهم كانوا يستأصلون كل محاولة ارتباط مع التطرف الإسلامي» .
هذا الاستئصال بدا جليا في 15/ 6/2011 حين اتخذت دائرة الأوقاف التابعة للمجلس الانتقالي في بنغازي قرارا يقضي بمنع الشيخ ونيس المبروك، من الخطابة في ساحة التغيير في بنغازي. أما قرار المنع فيأتي، بحسب تصريحات الشيخ لقناة الجزيرة، ردا على انتقاده في خطبة الجمعة (3/ 6) «رفع العلم الأمريكي في الساحة، وتذكيره باحتلال المسجد الأقصى» ، مشيرا إلى أن دعم أمريكا لثوار ليبيا: «لا يعني أن ننسى ما تفعله بإخواننا .. وكلما نظرت لهذا العلم تذكرت المسلمين في غوانتانامو وأفغانستان» .
هذه التصريحات ليست اتهامات للمجلس أو افتراءات عليه، بقدر ما هي أقواله وأفعاله التي عبرت عنها حتى غرف الثورة الليبية على برامج الدردشة الصوتية، والتي كان أغلب مشرفيها يتميزون غيظا وهم يطردون أو يصرخون بوجه كل من يأتي على ذكر الجهاد أو الإسلام بالقول: «هذه غرفة ضد الخلافة .. ضد الجهاد» !!!