يمكن توقع استجابة الناس لدعوى فك الارتباط بحجة أن الدولة كافرة، خاصة وأن الحديث يجري عن 56 دولة إسلامية أو 1.6 مليار مسلم؟
لا توجد أية إجابات تفصيلية حول ما يُطرح من أسئلة واستفسارات ولا توجيهات أو نصائح. كل ما هو متوفر حكم شرعي مجرد من أية اجتهادات تلامس طغيان الواقع. فما هو حكم العلاقة، مثلا، بين الفرد والدولة؟ وكيف يمكن صياغة علاقة شرعية بين الناس وقطاع التعليم أو الصحة دون اللجوء إلى الدولة؟ وكيف يمكن صياغة علاقة شرعية بين الناس في قضايا الأحوال المدنية من طلاق وزواج وميراث وإثبات الشخصية؟ أو في النزاعات؟ أو في السفر؟ أو في الخدمات؟ أو في الضرائب؟ أو في .... إلخ
لا ريب أن التيار يعاني من نقطة ضعف مركزية، وشديدة الخطورة .. نقطة جعلت المسافة بينه وبين العامة كتلك المسافة القائمة بين الناس وتطبيق الشريعة. إذ أن حصر الناس في زاوية الحكم الشرعي، والصرامة في اشتراط الفقه على العامة وسط ظروف قاهرة ليس للعامة شأن مباشر في نشأتها ولا في سيادتها، تَسبَّب بردود فعل سلبية أو لامبالاة. لكن الأهم أنها مثّلت بالنسبة لـ «المركز» و «الهامش» ، معا، هدية ثمينة للتنفير من التيار، ودفعه، بوسائل شتى، نحو المزيد من التحصن في الحكم الشرعي أملا في توسيع المسافة الفاصلة، وبالتالي تنفير الناس وفرض ما يشبه العزلة الاجتماعية عليه بحيث يسهل تشويهه إعلاميا ومحاصرته ونبذه على نطاق واسع.
وفي المقابل ثمة جناح حركي من التيار يقف على النقيض من سابقه. وهو متواجد بقوة في بعض البلدان الإسلامية خاصة في مصر وباكستان وحتى بعض بلدان المغرب العربي. وهو، في واقع الأمر، أقرب إلى أن يكون تيارا أكثر منه تعبيرا عن قوة سياسية منظمة. ولئن كان، القسم العربي منه، يرفض المشاركة السياسية أو الخروج على النظام، قبل الثورات العربية، بدعوى عدم جواز الخروج على ولاية الأمر أو تجنبا لتصعيد قد يؤدي إلى فتنة، إلا أن رياح التغيير المفاجئة، وهجمة القوى اللبرالية والعلمانية على الإسلام والهوية الإسلامية، وضغط الأتباع، فضلا عن تهديد النسيج الاجتماعي وإشاعة الفتن الطائفية المدمرة ألجأته إلى خيارات صعبة:
-فإما أن يتمسك باجتهاداته الشرعية السابقة، وينأى بنفسه عن الواقع وصراعاته الخطيرة، وهو ما يصب، في المحصلة المباشرة، في صالح القوى الخصيمة والمعادية للإسلام، وفي نفس الوقت بانفلات الأتباع وتشتتهم؛
-وإما أن يضطر إلى الاستعانة بوسائل غير شرعية لتحقيق غايات شرعية. ويقبل بالتعامل مع الدولة والواقع كما هما. وهو ما انحاز إليه اعتقادا منه أنه ما من فرصة للوصول إلى الحكم أو تطبيق الشريعة، أو على الأقل الحفاظ على هوية الدولة الإسلامية، أو مقاومة القوى المعادية إلا بالوسائل المتوفرة.