فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 413

نظام سياسي ما على إطلاق الحريات العامة وإشاعة العدل ورفع المظالم إلا أنه يظل فاقدا لقدرته على تطبيق الشريعة.

علاوة على أن النظام لا يستطيع فعل هذا ولا ذاك، فإن تطبيق الشريعة يتعارض، كنمط حياة ورسالة، مع نمط حياة «المركز» كأطروحة هيمنة. بمعنى أنه إذا كان تطبيق الشريعة بالنسبة لـ «الهامش» يحقق مكاسب فهو قطعا بالنسبة لـ «المركز» سيعني هزيمة ومخاسر وتهديد لمصالحه. وإذا وسعنا دائرة التحليل أكثر فإن تطبيق الشريعة تمثل بالنسبة لـ «المركز» و «الهامش» ذروة الصدام بين الطرفين. وعليه فمن شبه المستحيل توقع ذهاب أي نظام إلى تطبيق الشريعة دون أن يوازيه استعداد للذهاب إلى الحرب.

بالتأكيد لن يختلف الموقف كثيرا أو قليلا لو تعلق الأمر بالتشكيلات الدينية وولاءاتها، أو بالجماعات والفرق الإسلامية. فقد عملت النظم منذ وقت مبكر، ولمّا تزل، على تأهيل جيوش من الطلبة في كليات الشريعة ليكونوا سدنة شرعيين للنظام طوال الوقت، وخاصة في الأزمات. وبعض هؤلاء جرى ترقيتهم كرموز دينية واجتماعية ليس لهم من وظيفة إلا تشريع الوضع القائم. هذا ناهيك عن الشريحة التقليدية الشهيرة بلقب «علماء السلاطين» ، والذين انحدروا من شرائح التأهيل التاريخية أو اختاروا، طواعية، جانب النظام، ظالما أو مظلوما.

في أعقاب حرب الخليج الثانية سنة 1991، أو مع سيادة العولمة، وتوجه النظم السياسية نحو قيم اللبرالية، بالمعنى التحرري وليس بمعنى الحرية، كشف النقاب عن رموز تلقت دعما ماليا وإعلاميا وشرعيا جبارا، لتنتهي إلى تيارات حملت أسماء مؤسسيها كـ «الجامية» و «المدخلية» . هذه التيارات أفصحت عن جواهر عقائدها خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 على وجه التحديد لتلتحم مع النظم السياسية وتوجهاتها، وتحديدا مع الحاكم نفسه. وهي تيارات يغلب على عقائدها موضوع واحد هو الدفاع المستميت عن «ولاية الأمر» ووجوب طاعة الولي، حتى لو كان كافرا كفرا صريحا (الجامية والمدخلية) ، أو ما لم يستحل الكفر علانية كالمرجئة. بل وصل الأمر ببعض التيارات والجماعات اعتبار النصراني أو اليهودي، مؤمن «بدرجة ما» ، ولا يصح تكفيره أو وصفه بالكافر، وأكثر من ذلك يجوز له أن يتولي أمر المسلمين!!!

ثمة أطروحة شائعة لدى الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي ترى أن التيارات والجماعات الإسلامية، وحتى بعض الجهادية، تتكامل فيما بينهما لجهة سعيها في خدمة الإسلام والمسلمين، والدعوة إلى الله عز وجل، وصولا إلى بناء الأمة المسلمة، واستعادتها لقوتها وعزتها. والحقيقة أنها أطروحة أبعد ما تكون عن أية حقيقة تذكر. وبالتالي ليس صحيحا أنها تتفق على الهدف وتختلف على المنهج. والواقع أنها متنافرة وليست متكاملة. ومتخاصمة وليست متوافقة. وهي على خصومة، بدرجات، مع جماعات «التيار الجهادي العالمي» و جماعات «تطبيق الشريعة» وأنصارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت