المتحدة نفسها لم تعد بمنأى عن التفكك؛ فقد كان من الأولى بمركز «سترانفور» أن يقلق على حاله قبل أن يقدم ما يشبه التوصيات والدعم لأطروحة القذافي الذي تَحصَّن في ثكنة باب العزيزية في طرابلس، وكأنها نواة لدولته الجديدة التي تلائم الغرب والأمريكيين معا.
التقسيم لوح به رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني الذي كان أكثر بلاغة من الروس، ليس حين قال بأن: «ليبيا خرجت عن سيطرة القذافي» بل لأنه قال: «إذا كنا نتفق جميعا على وضع حد لحمام مروع من الدم، فلا بد من القول أننا أمام مستقبل مجهول، حيث يمكن أن نرى بلادًا حرة وديمقراطية أو مراكز خطر للأصولية الإسلامية» . تصريح سارع ماركو فينتورا من مكتب بيرلسكوني، إلى استدراك خطورته عبر التقليل من قيمته مشيرا إلى أنه: «لا يعدو تفسيرًا للأحداث الدموية الجارية في ليبيا منذ 17 من الشهر الجاري» !!!
مثل هذه التصريحات تجعلنا نتوقف عند نوايا الغرب، ليس تجاه ليبيا الثائرة، فحسب، بل وتجاه الثورات العربية المحتملة في قابل الأيام والشهور. ولا شك أن نظرية الدومينو أكثر ما يخيف الغرب. وطبقا لها؛ فإذا نجح الحجر الأول في إسقاط التالي فإن احتمالية سقوط الحجر الثالث تتضاعف، لكن الأسوأ حين يسقط ثلاثة أحجار دفعة واحدة على حجر رابع. آنذاك يمكن أن تسقط السلسلة برمتها، بصورة تبعث على الذهول. وهذا بالضبط ما يخشى منه الغرب. ولعل طرافة الحدث الثوري تكمن في كون الحجارة الساقطة انتظمت مع الثورة الليبية لتشكل سلسلة قد تهوي بثقلها على اليمين وعلى اليسار وتعزز من فرضية انفراط العقد فعلا.
والأكيد أن لمثل هذا السقوط المدوي تداعيات لا يمكن التنبؤ بها. وصدىً يصعب رصده سواء على المستوى الأوروبي أو الآسيوي أو الأفريقي أو حتى الأمريكي اللاتيني فضلا عن مستوى الدول ذات القوميات والأعراق المتعددة. باختصار ثمة خوف من فوضى قد تسمح بانقلاب الموازين ونظم العلاقات الدولية والتحالفات المحتملة.
عدوانية العقوبات
كما سبق وأشرنا؛ فإن ليبيا، الشعب، ليست علمانية ولا لبرالية، ولا نظامية بقدر ما هي فردية. فالسلطات تجتمع بشكل منظم في يد فرد لخدمة الفرد نفسه وسلطته. وإذا كان الغرب قد وجد من القوى أو المؤسسات ما يعينه على التعامل معها والركون إليها في تسلم السلطة الجديدة وحماية مصالحه فإن البديل في ليبيا يكاد يكون منعدما تماما. ورغم التلويح الأمريكي والأوروبي بدراسة كل الخيارات للتعامل مع ليبيا بما فيها الخيار العسكري إلا أن الواقع والتجربة تجعلنا نتحفظ على خوض مثل هذه المغامرة، وهو توصيف - المغامرة - ورد حتى على لسان بعض المسؤولين الأوروبيين. وبحسب بيرلسكوني؛ وبعيدا عن ابتزاز القذافي وفزاعته، ثمة مخاوف فعلية من «الإسلام الجهادي» في ليبيا. إذن ما هو الحل؟