الدقيقة التي لا تنشأ إلا عند رجال انصرفوا إلى اللغة وتدقيقها والتفريق بين فروقها، ولو أن هذه الوثبات تلتفت إلى هذه الفروق لقتلت كثيرًا من روح نشاطها وأخمدت كثيرًا من نار إبداعها. ويمتاز أبن أبي عتيق بثقافته الغنائية، ومثل هذه ترقق الذهن وتلطف الحواس وتجعل للبيت المنظوم قدرًا خاصًا. وقد كانت هذه الثقافة الغنائية عنده سليقة طبيعية. ولقد مر ذات يوم بمعبد وهو يغني - وكان طفلًا - فقال: (إن عاش معبد كان مغني بلاده) وعاش حتى رأى صدق نبوءته. ويمتاز بهذه الروح الخفيفة التي لا يستغني النقد ولا الناقد عنها. ويدل على ذلك مواقف كثيرة.
منها أن عمر بن أبي ربيعة شبب بزينب بنت موسى الجمحية بقصيدته:
يا خليلي من ملام دعاني ... وألما الغداة بالأظعان
وكان سبب ذكره لها إن أبن أبي عتيق ذكرها عنده ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر. فبلغ ذلك أبن أبي عتيق فلامه فيها وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمي؟ فقال عمر
لا تلمني، عتيق! حسي الذي بي ... إن بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني، وأنت زينتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان
قال أبو وداعة السلمي منكرًا على عمر التشبب بها (لا أقر لأبن أبي ربيعة أن يذكر امرأة من بني هصيص في شعره) فأجاب أبن أبي عتيق (لا تلوموا أبا وداعة أن. . . من سمرقند على أهل عدن) ومن خفة روحه أن سمع عمر ينشد قصيدته.
ومن لسقيم يكتم الناس ما به ... لزينب نجوى صدره والوساوس
ولستُ بناسٍ ليلة الدار مجلسًا ... لزينب حتى يعلو الرأس رامس
خلاء بدت قمراؤه وتكشفت ... دجنته، وغاب من هو حارس
وما نلتُ منها محرمًا غير أَننا ... كلانا من الثوب المورد لابس
قال عتيق: أَمنا يسخر أبن أبي ربيعة، فأي محرم بقى؟ فاعتذر عمر، فقال له عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة. فأنظر ما كان أبعد هذه الروح في كشف المستور، وما أخف روحها في التعبير عنه.
ولقد يثبت في تهكمه من الأدب إلى السياسة ويضربهما ويصيبهما بحجر واحد ويكون