حاجة إلى عيون عالم الآثار - وأقصد أذان رجل موسيقي - لنكشف في هذه البقايا عن عظمة المقطوعات التي كانت تردد تحت أبواب الحمراء المرمرية، أو تحت ظلال الأشجار الوارفة في أشبيلية وقرطبة.
ومهما يكن من شئ فإن استعمال هذه المخلفات القديمة لا يدخل كثيرًا من التغير على قواعد الموسيقى، إذ أن في ذلك محافظة على تراثنا القديم.
ولكن للغرب سحره الأخاذ ما في ذلك من شك، لأن مغنينا الجزائري خضع لتأثير الأوبرا، واستمع بسرور إلى الألحان القصيرة من الأوبريت والصالات؛ تلك الألحان التي طغت شيئًا فشيئًا على مقطوعاته حتى أصبحنا الآن نلمس فيها أكبر فشل فني معيب.
وقد سارت المرحومة أنيسة يامنة الجزائرية في طريق مخالف لذلك كل المخالفة. فهذه الموسيقية انتهجت نهج الغناء القديم الذي يمكن تقدير أهميته، واستندت إلى شعورها النسوي القوي وخبرتها الموسيقية الطويلة. وكانت تذهب للإقامة بين أفراد الطبقة الفقيرة وبين العرب الرحل لتغترف من شعورهم البسيط الخالي من كل زخرف ثم تعود بمحصول غني متنوع وفير، وبعد ذلك تستسلم لتفكيرها ولأبحاثها وتستمع إلى نفسها وتستوحي صوت أجدادها ثم تترك قلبها يعبر عما في خلدها بألحان تخلب الألباب.
وأني أعرف الكثير عن الطريقة المخالفة لتلك التي يتبعها الأستاذ، وبمعنى آخر ترجمة الغربيين واقتباسهم لموضوعاتنا؛ وأسواق إليك هنا مثلًا مشهورًا لأوضح وجهة نظري: أقام المؤلف الموسيقي سان سانس حقبة طويلة في الجزائر، ولذلك يقوم مؤلفه المشهور (شمشون ودليلة) على طريقة التلحين الأندلسية (زيدان) . ولا أتردد أن أضيف إلى هذا المثل مثلًا آخر فيما فعله ف. دافيد الذي أمكنه بعد رحلة طويلة إلى الشرق أن يخرج مؤلفيه: (الصحراء، ولالاروك) . وكذلك فعلوا الأسبانيون وكذلك (بيزت) في (كارمن) (1870) وغير هؤلاء من الذين يدينون بالشيء الكثير إلى الأندلس في القرون الوسطى. ومثل هؤلاء أيضًا موسيقيي وسط أوربا مثل لست وشوبر وموزار وبعض موسيقيي أمريكا الجنوبية أيضًا الذين وجدوا في ألحاننا موردًا فياضًا لا ينضب.
والآن أعود متسائلًا إذا كان العكس ممكنًا: فتقدم الموسيقى الغربية - في رأيي - قد بدأ يصل إلى درجة التشاؤم التي تكلمت عنها من قبل. وأني لا أفكر في لحظة في أن أحط من