ثلاثين يومًا من نزول البقر فيه. فلم هذا؟) وعرف البقارون هذه الحقيقة أيضًا، وعرفوا أنهم يستطيعون خلط بقر شمالي بجنوبي عشرين يومًا أو نحوها، ثم يفصلون بينها فلا ينال المرض البقر الشمالي أبدًا. أما إذا هم تركوها على اختلاط فوق هذا القدر من الأيام، أو حتى إذا هم أبقوا البقر الشمالي وحده حيث هو من الحقل فوق العشرين يومًا بأيام قليلة، فلا يلبث أن يفجأه الداء فكأنما انقض عليه من السماء. فتلك أحجيةٌ أي أحجية
وذات يوم من هذا الصيف صيف علم 1890 تفسرت الأحجية بغتة واتصلت قطع الصورة المتكسرة المتفرقة فُجاءةً فاتضحت في عينيه على حين غرّة فشدهته، فوقف أمامها ذاهلًا مبهوتًا. وكان إذ ذاك في شغل من أمور عديدة أخرى وإجراء تجارب من ألوان شتى: كان يفصد البقر الشمالي ويسكب من دمه جالونات ليفقر دمه، فقد كان خال أن المكروب الكمَّثريَّ الذي رآه في كرات الدم ربما كان فقرًا في الدم لا مكروبًا. وكان يتعلم كيف يفقّص قرادًا صغيرًا نظيفًا في معمله. وكان لا يزال يلقط القراد من على ظهر أبقار جنوبية ليثبت أنها من غير قراد لا تضر الأبقار الشمالية، وقد يفوته أن يلتقطه كله فتأتي نتيجة التجربة بغير الذي أراد. وكان قائمًا في سبيل استكشاف حقيقة باهرة؛ أن العجول الشمالية لا تصيبها إلا حمى هينة لا تميت في الحقول التي تقضي على أمهاتها. كان همه أن يجد كل أثر أيًا كان نوعه للقراد في البقر الشمالي - فلعلها تسبب لها أسواء أخرى غير الحمى التكساسية.
ففي أثناء كل هذا تفسرت الأحجية. ذلك أنه سأل نفسه أتُرى أني بدأت ببويضات القراد في صحن من الزجاج فأخرجت منها في حجرتي قرادات نظيفة لم تر حقلًا أو بقرة وبيئة، ثم لو أني وضعتها بعد ذلك على بقرة شمالية وتركتها تمتص من دمها ملئها، أفتستطيع أن تمتص ما يكفي لإفقار دم بقرة؟ سؤال غريب يتراءى لي أنه كان لغير غاية، ولكنه يدل على أن فكرته كانت أبعد ما تكون من الحمى التكساسية.
ومع هذا حاول أن يحصل على جواب سؤاله، فأني بعجلة سمينة بنت عام ووضعها في زريبة مقفلة، وأخذ يهيل عليها يومًا فيومًا مئات من قرادات صغيرات من تفقيسه، ويمسك بها حتى يغوص القراد بعيدًا تحت شعرها ويتمسك بجلدها. وأخذ يومًا فيومًا يشق جلدها ليأخذ قطرات من دمها ليستوثق من فقره. وذات يوم جاء إلى الزريبة ليجري عليها ما