الأهلية الأسبانية من انتظام القوى الفاشستية والقوى الديموقراطية وجهًا لوجه، واعتماد الأولى على معاونة إيطاليا وألمانيا، واعتماد الثانية على معاونة روسيا وفرنسا، وظهور الحرب الأسبانية كلها بمظهر الصراع بين هاتين الجبهتين الخصيمتين. فهذا الصراع المذهبي الذي يخرج اليوم من طور الجدل والنقاش، إلى طور النضال المادي، يهز أسس القوميات الأوربية ويهددها بأروع الأخطار التي يمكن تصورها
وهنالك ظاهرة عامة ليست أقل خطورة وأثرًا من تطور تاريخ أوربا السياسي، تلك هي انهيار المبادئ العامة التي يقوم عليها القانون الدولي، وانهيار الضمانات القومية والدولية التي كانت تكفل احترامه وتطبيقه. ففي الأعوام الأخيرة رأينا بعض الدول الكبرى، مثل اليابان وإيطاليا وألمانيا، تعمل على انتهاك المعاهدات والحقوق القومية والدولية بجرأة ترجع بالسياسة الدولية إلى فوضى العصور الوسطى؛ فاليابان تعتدي على منشوريا الصينية وتفتحها بالقوة المسلحة أمام سمع العالم وبصره، وتتحدى عصبة الأمم، ثم تغادرها لكي تطلق العنان لمشاريعها الاستعمارية دون أي تدخل أو وازع، وما زالت تتابع اعتداءها على الأراضي الصينية طبقًا لخطة منظمة ترمى إلى بسط حمايتها المسلحة على هذه الإمبراطورية الشاسعة؛ وإيطاليا تحذو حذو اليابان، فتنظم اعتداءها على الحبشة، وتجرد أقوى وأحدث وحداتها على الشعب الحبشي الضعيف، وتمطره وابلًا من القنابل الجوية والغازات الخانقة، ثم تنتزع منه أرضه قسرًا، وتضمها إلى إيطاليا؛ وذلك على رغم كل العهود والمواثيق الدولية التي قطعتها على نفسها باحترام استقلال الحبشة ووحدتها الجغرافية، وبرغم ما اتخذته عصبة الأمم في هذا الظرف من تقرير العقوبات الاقتصادية على إيطاليا؛ وها هي ذي الفاشية تباهي اليوم بظفرها، وتسخر جهارًا من عصبة الأمم ومن كل المعاهدات والمواثيق الدولية، وهي على أهبة لتمزيق أي ميثاق وأية معاهدة لا تتفق مع أطماعها العسكرية والاستعمارية. وأما ألمانيا الهتلرية، فقد خصت بضرباتها أعظم دستور دولي وضع لأوربا منذ معاهدة فينا، ونعني معاهدة الصلح أو معاهدة فرساي، فنقضت جميع نصوصها العسكرية التي كانت تقيد حريتها في التسليح، والتي تتعلق بتحريم منطقة الرين، ونقضت أخيرًا نصوصها الخاصة بنظام الملاحة الدولية في بعض الأنهار الألمانية؛ ونقضت وثيقة دولية هامة أخرى هي ميثاق لوكارنو الذي عقد لتدعيم معاهدة