الذين عاشوا زمنًا في المجتمع الفرنسي، والفرسان الفرنسيين الذين شبوا في بلاط لويس الرابع عشر، فعج البلاط الإنجليزي بمظاهر الترف وأسباب الغواية، وفشا ذلك منه في طبقات الشعب، وساعد على ذلك تبرم الناس بما كان حكم المطهرين الغلاة قد فرضه عليهم قبل ذلك من كبح وتزمت، وبدا أثر ذلك الترف والفساد الخلقي في درامة ذلك العهد
وانتشر الترف كرة أخرى في بعض القرن الثامن عشر بين طائفة أرباب الأعمال الذين أثلوا لأنفسهم ثروات ضخمة بشريف الوسائل وخسيسها في الولايات الهندية قبل أن تشرف الحكومة الإنجليزية على إدارتها، وعادوا إلى أوطانهم مكاثرين بطارف أموالهم مستكثرين من مظاهر الأبهة والفخفخة، وعرفوا بالنواب تشبيهًا لهم بأمراء الهند؛ ورأى فيهم أدباء العصر مواضيع شائقة لكتاباتهم الساخرة، وأولع بهم ماكنزي وكوبر وغيرهما طويلا؛ على أنه في كلتا هاتين الحالتين كانت النوبة عارضة قصيرة الأمد ضيقة الحيز، صمد لها الخلق القومي، والطبع الإنجليزي الهادئ، وتغلبت عليها تقاليد الأيام المتعاقبة وعاد الاعتدال شعار البلاط والمجتمع والأدب
فالأدب العربي قد حوى من آثار الترف الشيء الكثير، بل حوى من ذلك ما لعل أدبًا آخر لم يحوه، وحفل بالرائع من الأوصاف لتلك الآثار، وإن نبأ بعضها أحيانًا عن الذوق السليم والخلق الكريم. ولا ريب أن ميله هذا إلى زخارف العيش وولعة بتصويرها كان مما جنح به أخيرًا إلى زخرف الألفاظ وأنيق المعاني. أما الأدب الإنجليزي فظل رجاله غالبًا بعيدين عن موائد الأمراء، وظل الاعتدال في أغلب العصور رائده، بعيدًا عن زخارف الحياة المترفة وزخارف الألفاظ المنمقة معًا، وكان رجاله أشد شغفًا بتصوير دخائل النفس الإنسانية ووصف محاسن المناظر الطبيعية منهم بوصف قصور الأمراء ومحافلهم ومواكبهم.
فخري أبو السعود