الثقيل. وكثيرًا ما يتفق أن يكون ظني في محله، فلا تكاد ترى وجهي الناطق بتوقع اللوم حتى تبتدرني بقولها: (بالطبع نسيت) فأقول وأنا أتكلف الضحك: (أي والله. . صدقت. . الحق أن فراستك قوية)
فتقول: (وما العمل؟)
فأسال متحرزًا: (في أي شيء؟)
فتقول: (في أن تذكر. . كيف نحملك على التذكر؟)
فأقول: (اربطي لعبة في رجلي فأضطر أن أتذكر كلما سمعت كركرتها)
فتقول: (إني جادة)
فأقول: (نكتب الشيء في ورقة وأضعها في جيبي أو مع الساعة)
فتقول: (وتنساها في جيبك. . وتخرج الساعة فترى الورقة فترميها وأنت ذاهل)
فأقول: (ألبسيني الجاكتة مقلوبة. . أزرارها إلى الخلف)
فتهز رأسها وتقول آسفة (كلا. . لا فائدة. . الأمر لله. . لو كان شيئًا يعالج. . ولكنه مستعص. . لا علاج له) .
فأقول متشهدًا: (صدقت يا امرأة. . أما والله إنك لمنصفة. . جزاك الله خيرًا وقواك على احتمالي)
وأعترف أني كثيرًا ما أنتفع بالمعروف المشهور من نسياني، فإذا سألتني عما لا أريد أن أبوح لها به أو أذكر الحقيقة فيه تظاهرت بالبلاهة وقلت: (وهل أنا أعرف؟. وأين العقل الذي يتذكر؟. .)
وما قرأت كتابًا إلا نسيت ما فيه - نسيته جملة وتفصيلًا؛ حتى اسمه واسم كاتبه؛ وقد أعود إليه كأني ما قرأته ولا سمعت به، فهو في كل مرة أعود فيها إليه جديد ولو كنت قرأته عشر مرات؛ وهذا نافع لان فيه اقتصادًا. وكم من كتاب اشتريته ثم نسيت أين وضعته ثم يتفق أن أعثر عليه فأقف مستغربًا متسائلًا: أتراني قرأت هذا الكتاب من قبل. . أم لم أفتحه. . على كل حال. . الأمران سيان. . توكلنا على الله)
وأحسب هذا يجعل العلم والجهل سيين. ولولا أني أعرف أن ما أقرأ لا يضيع وإنما يختفي لأغراني ذلك بالانقطاع عن القراءة لقلة ما يبدو لي من فائدتها المحسوسة.