يجيبه، حتى إنه ليسال عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيردون عليه اقبح الرد، ويؤذونه ويقولون له: قومك أعلم بك)
كان قاصد هذه الأسواق أيام الحج موزع السمع بين داع إلى ثأر وناشد ضالة، ومنشد قصيدة، وخطيب، وعارض بضاعة، وحامل مال لفك أسير، وقاصد شريف لإجارة أو حمالة، وداع إلى عصبية، وآمر بمنكر. . .، فيجد شيئًا معروفا قد ألفه منذ عقل وأبصر الدنيا. لكنه بعد عام الفيل بثلاث وأربعين سنة يجد أمرًا لم يألفه قط، ولا سمع بمثله: رجلًا كهلًا وضيئًا عليه سمات الوقار والرحمة والخير، يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة: هذه بنو عامر بن صعصعة، وهذه محارب، وتلك فزارة، والرابعة غسان، وهناك مرة وحنيفة، وسليم، وعبس، وهنا بنو نصر وكندة، وكعب، وعذرة، وهؤلاء بنو الحارث بن كعب وأولئك الحضارمة. . . الخ.
يؤم منازل كل قبيلة، ويقصد إلى شريفها يدعوه بالرفق إلى الله وفعل الخير فيتجهم له هذا ويعبس ذاك، ويجبهه ذلك، ويحقره آخر. . فيلقى من الصد ألوانًا يضيق ببعضها صدر الحليم، فلا يؤيسه ما لقي، ولا يكفه ما أوذي، فيمضي متئدًا حزينًا إلى قبيلة أخرى وشريف آخر: يعرض عليهم نفسه ويقول:
(هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي. فلا يجد مجيبًا، حتى تدارك الله نبيه بوفد الأنصار.
هذا ما حفظته لنا كتب السيرة من مشاهد مؤثرة، فرأينا أن تلك الأسواق لم تخل من دعوة إلى خير، فقد تردد في أجوائها الصوت الضعيف الخافت، يطلب حماية وإجابة. ولئن صدف عنه الناس وأزوروا في أسواق الجاهلية، إنه ملأ فيما بعد ما بين المشرق والمغرب، وطبق الخافقين بآثاره التي بثها في العالمين رحمة وعدلًا وعلمًا، وإنسانية وسعادة ومثلًا عليا.
وما زال يستجيب لهذا الصوت كل يوم أفواج من أمم الحضارة والعرفان، في أسيا وأوروبا وأمريكا. صد عنه قديمًا أجلاف البادين، وهرع إليه اليوم زمر المتحضرين، من كل عالم ومخترع ومصلح وأديب وسياسي ومفكر. . من يستضيء بعلمهم وفكرهم الملايين من الخلق.