تنبو عنه الحياة، وإن يكن يستظرفه الفن؛ وينبذه الحب الروحاني الملظى بجمر التضحية والمدمَّى بالألم والاستشهاد، وإن تكن ترتضيه الشهوة الوحشية المتنطسة. . وإني لمورد خلاصته فيما يلي لتعلم أن الشاعر مهما مُنح من فن وإبداع. وأوتي من تصور وإدراك، يظل جاهلًا أسرار المرأة، رازحًا من حبها ودموعها على كلال.
أما المرأة التي جاء الشاعر يقدس دموعها في ذلك المقطع الصغير فهي - كليوباطرة - ملكة مصر وربة النيل. ولكن أصادقةٌ تلك الدموع التي ذرفتها المرأة الحسناء على موت حبها؟ هذا ما أريد معرفته. . فلتقرأ الآن خلاصة القصيدة:
قبل أن تودع كليوباطرة حياتها الزاخرة بذكريات الحب أحبت أن تهيئ لعشاق جمالها مأدبة كبرى مثقلة بكرمها الملكي، ففعلت: وبعد انتهاء المأدبة أحضرت لها وصيفتها الأمينة (إيراش) سلة مملوءة بالتين، فكافأتها وشكرتها كثيرًا ثم أخرجت من طيات ثوبها الفاخر خطابًا قصيرًا لتسلمه الوصيفة إلى (أوكتافيوس) قيصر رومه في ذلك العهد.
وبعد هذا بحين انسحبت كليوباطرة إلى مخدعها الشيق المزين بزهر الجلنار وجلست وحيدة، وفي وحدتها الموحشة شرعت تحلم إلى أن اخضلت أجفانها بالدموع
بكت لأنها تذكرت أيامها الماضية. . . تلك الأيام المخمرة بالحب!
إلا أنها لم تلبث أن مسحت دموعها ونظرت إلى وريقات التين نظرة عميقة مفعمة بالتأمل وطافحة بالحزن والألم. وذلك لأن عيني الحية الماكرتين كانتا تلمعان في وسطها لمعانًا موجسًا مخيفًا كنور الحباحب على قبر مهجور.
وفيما هي تتناول الحية السامة بأناملها قالت تباغمها بكلام رقيق كنوم السحر: أيتها المخلوقة الفاتنة، المرذولة من جميع الناس، إني أعبدك. . . ولهذا ترينني لا أخشى لذعتك! نعم لا أخشاها. . . لكونها تريحني من هذا العالم، وتجمعني بمن أحب. . . ثم وخزتها وخزة موجعة فتململت الحية ولسعتها في صدرها!
عند هذا نهضت كليوباطرة وتمددت على سريرها هامسة: هأنذي أوافيك يا أنطونيوس! يا من غذيت أزاهير أحلامي بالحب!
انتحرت - كليوباطرة - فاضطرب النيل وارتعشت أوراق النخيل في مملكة ممفيس. . . لقد ارتجف كل كائن حي خلا قلبًا واحدًا لم يرتجف، هو قلب - أوكتافيوس - سيد رومة