في ذلك الزمن. لكنه على الرغم من كل ذلك فض الخطاب الصغير وتمتم قائلًا:
إنها تريد أن تدفن مع حبيبها أنطونيوس. نعم، تريد أن تعانقه دائمًا بعد الممات. فليكن لها ما تبتغي. . . هو الحب فلتبلل ضريحها دموعه المقدسة.
هذا ملخص القصيدة. ففيه تلمس تخليد الشاعر لحب - كليوباطرة - ذلك الحب الذي شغل فريقًا من العبقريين في التاريخ، ولكن على الرغم من الجمال الشعري والإشراق الفني في القصيدة أود أن أعرف أصادقة تلك الدموع أم كاذبة، أشريفة أم أثيمة؟
لم يبق بين الذين عنوا بتاريخ كليوباطرة من لم يمجد دموعها في حبها، ويطري موقفها المؤثر في ساعات انتحارها. أما أنا فأهزأ بتلك الدموع التي حملتها على الانتحار لأنها دموع لا يقرها الحب الروحي السامي الخاضع للتضحية
لقد بكت كليوباطرة وهي تنتحر، ولكنها لم تبك على حب مقدس، بل على نزوة حمراء تصرمت وتبددت. . . والحب الذي يسوده نزوان اللحم والعظام خادع كالتراب المذهب
إن أشرف أنواع الحب هو ما تندت به العاطفة واختمرت به الروح، فدموعه تبقى منهلة في المحاجر كندى الفجر. أما الحب الذي تولده الأعصاب فدموعه مستقطرة من الوحل لا من أجفان السماء
ولا يعتقد القارئ أن كليوباطرة احتكرت وحدها هذا النوع الفريد من الحب الحيواني الغليظ، فهنالك امرأة تبزها هي (جان ديفال) التي أضرمت بضراوتها المستنكرة عبقرية - بودلير - شاعر فرنسا في الجيل الماضي. فقد كونت فيه عنصرين متناصرين أبدًا. . . عنصر يستلينه جسدها الغامر بالشهوة، وعنصر يحترق حنقًا منها فيجوب رحاب الروح شاكيًا من تلك النار المشبوبة، الناغلة بأحط أنواع الحب. ومن يراجع كتابه المشهور - أزاهير الشر - وهو من أروع الكتب الشعرية في دولة البيان يقرأ تلك المقاطع التي تصور انتحاره النفسي البطيء، وهي عندي من أبلغ ما أخرجه الشعراء في العالم
فانظر كيف يصفها الشاعر:
(عندما أجلس قربها في ليالي الخريف الدافئة مستنشقًا شذا صدرها الحار. . . تحملني الأحلام إلى بلاد سعيدة رافلة في حلل وضاءة من نور الشمس فأرى فيها نساء تسبيك أجسامهن الفاترة المتكاسلة لما يعذبها من شهوة مخدرة، وبرح أليم!