ذلك وساروا، فأشرفت الزرقاء كعادتها، فأجابت قومها وقد سألوها (ما ترى) قائلة: (أرى شجرًا يسير) فقالوا: (كذبت أو كذبتك عينك) واستهانوا بقولها، فلما أصبحوا، صبحهم القوم، فاكتسحوهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقيل أخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها
وقصة أخرى يشير إليها المستشرق الإنكليزي الشهير نيكلسون في كتابه في سياق البحث عن الحياة العامية في القسم الجنوبي من جزيرة العرب ولقد وردت هذه القصة في قصيدة (أسعد كامل أو أبو كرب) التي أطلق عليها نيكلسون أسم (قصيدة الساحرات الثلاثة) ذلك لما بينها وبين خرافة الساحرات الثلاثة. اللواتي يمثلن ذلك الدور المدهش في رواية مكبث، من تشاكل وتشابه عظيمين، والقصيدة كما سترى، موضوعة في قالب أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى. وقد نقلها فون كريمر المستشرق الألماني إلى الألمانية مودعًا إياها كتابه وكذلك نقلها نيكلسون إلى الإنكليزية في كتابه المذكور
وفي هذه القصيدة يخاطب أسعد أبنه حسنًا ويوصيه بالبطولة، ويسرد له في سياق الحديث قصة الساحرات الثلاث كيف صادفنه غلامًا، فمزجت له الكبرى أولًا دواء، وأعطته فشرب، وقدمت له الوسطى ضبيًا بريًا امتطاه وذلله، ثم جاءت الصغرى تمرّضه فتجنّبها، ولما أيقن في هذه الجرأة النادرة والقدرة على مقارعة الخطوب، تنبّأن له بعهد سعيد ومستقبل باهر، يتنسم فيه ذرى المجد، وهكذا تمت النبوة فقد أصبح أسعد، على ما جاء في القصيدة، قائد جيش مجر، ثم ملكا تهابه الأعداء.
وأنت تذكر أن مكبث كان في أول عهده قائدًا مغوارًا في عسكر الملك دانكين ولما عاد هو وبنكو مظفَّرين لقيا في طريقهما، ثلاث عجائز شمط، دأبهنَّ القيام بأعمال سحرية خارقة، ولهن القدرة على قراءة المستقبل، ومعرفة الغيب فتنبأن أن سيكون مكبث مبدئيًا من الشرفاء، ثم يعتلي العرش، وبعد ذلك بقليل تحقق القسم الأول من النبوءة، فقد اختار الملك القائد مكبث ليكون شريفًا، ثم تعلم كيف سوّلت لمكبث نفسه التطلع إلى الملك، فدعا الملك (دنكن) إلى وليمة وقضى عليه ليلًا، ثم نصب نفسه ملكًا على الشعب
ومن يدرس ما جاء على لسان هؤلاء الساحرات في رواية مكبث من أقوال دقيقة معقدة ويقابل ذلك بحديث الساحرات في العقيدة العربية يلقي تشابهًا يدعو إلى الإعجاب الشديد، فساحرات مكبث من شأنهن طبخ الأدواء ومزجها واستعمالها في جميع أعمالهن السحرية،