الناس.
وامتد الداء إلى صدره فعقدة عقدة في حبال الصوت كادت تذهب بقدرته على الكلام، ولكن القدر أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معًا، فوقف الداء عند ذلك، ولكن ظلت في حلقه حبسة تجعل في صوته رنينا أشبه بصراخ الطفل، فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة. . .
وكانت بوادر هذه العلة التي أصابت أذنيه هي السبب الذي قطعه عن التعليم في المدارس بعد الشهادة الابتدائية، لينقطع لمدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه، وكان هو فيها المعلم والتلميذ
وحظ الرافعي من الشهادات العلمية حظ أبيه، فإن الشيخ عبد الرزاق الرافعي على علمه وفضله ومكانته، وعلى أنه كان رئيسًا للمحكمة الشرعية في كثير من الأقاليم - لم تكن معه شهادة (العالمية) حتى جاء إلى طنطا. ولأمر ما نشب خلاف علمي بينه وبين بعض علماء طنطا حفزه وهو شيخ كبير إلى طلب الشهادة، فتقدم إلى امتحانها ونالها، لغير غرض يسعى إليه إلا أن يستكمل براهينه في جدال بعض العلماء. . .
وكان لأبي الرافعي مكتبة حافلة تجمع أشتاتًا من نوادر كتب الفقه والدين والعربية؛ فأكب عليها مصطفى إكباب النهم على الطعام الذي يشتهيه؛ فما مضى إلا قليل حتى استوعبها وأحاط بكل ما فيها وراح يطلب المزيد. وكان له من علته سبب يباعد بينه وبين الناس فما يجد لذة ولا راحة في مجالسة أحد، وكان ضجيج الحياة بعيدًا عن أذنيه، وكان يحس في نفسه نقصا في ناحية يجهد جهده ليداريه بمحاولة الكمال في ناحية، وكان يعجزه أن يسمع فراح يلتمس أسباب القدرة على أن يتحدث، وكان مشتاقًا إلى السمع ليعرف ماذا في دنيا الناس فمضى يلتمس المعرفة في قراءة أخبار الناس، وفاتته لذة السامع حين يسمع فذهب ينشد أسباب العلم والمعرفة ليجد لذة المتحدث حين يتحدث، وقال لنفسه: إذا كان الناس يعجزهم أن يسمعوني فليسمعوا مني. . . وبذلك اجتمعت للرافعي كل أسباب المعرفة والاطلاع، وكانت علته خيرًا عليه وبركة. وعرف العلم سبيله من نافذة واحدة من نوافذ العقل إلى رأس هذا الفتى النحيل الضاوي الجسد الذي هيأته القدرة بأسبابها والعجز بوسائله ليكون أديب العربية في غد. . .!