وهناك فائدة أخرى للتدين: هي الاطمئنان الذي يحس به المؤمن حيال النكبات والمصائب؛ فبينما نرى غير المؤمن مقبلًا على الانتحار، يائسًا قانطًا، نجد المؤمن راضيًا بقضاء الله مستسلمًا إليه. وقد يفهم من هذه الفائدة أن الدين فطرة في الإنسان على حد قول دوركليم: الإنسان حيوان ذو دين وأكبر الأدلة على ذلك فكرة الإله. فالاعتقاد بوجود إله أزلي خالد قوي خير عادل موجود مع الإنسان منذ وجد الإنسان. وليس من حاجة لإقامة الأدلة العقلية على وجود الله، كما انه لا حاجة للتدليل على أن الجزء أصغر من الكل، لأنهما من البديهيات.
وبيان ذلك أن الإنسان لما بدأ يفكر نظر في نفسه فوجد فيها مبادئ لا يد له فيها، ولا يدري من أين جاءته ولا يعرف عليها دليلًا واحدًا، وجد أن الذي هو هو.
الماء هو الماء، ليس الماء ورقة ولا شجرة ولا قطعة ولكنه ماء. . . والأرض هي الأرض. هذه بديهية ثابتة لا يستطيع العقل أن ينكرها مهما اختلفت الإعصار والأمصار، فما هو الدليل عليها؟
ما هو الدليل على أن الجزء أصغر من الكل، وأن وجود الشيء ذاته في الوقت عينه وانعدام هذا
الشيء مستحيل. إن التدليل على أمر معناه رد هذا الأمر إلى بديهية ثابتة. فكيف ندلل على البديهية وإلام نردها؟
وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومثل هذه البديهيات تمامًا الاعتقاد بوجود إله، بدليل أن البشرية لم تعش يومًا واحدًا بغير هذا الاعتقاد وإن اختلفت المدارك فعرف بعض الناس الإله الحقيقي الذي لا تدركه الأبصار، وألصق بعضهم صفة الإله ببعض المخلوقات ثم عبدها لا لذاتها بل لأن فكرته عن الإله تمثلت له فيها - وقد يعترض على معترض بأن الشبان اليوم من ينكر الإله ولا يقر بوجوده فأجيب بأن هذا الشاب لو ضاع في صحراء ويئس من المعونة أو أصابه مرض عضال عجز عنه الأطباء لعاد مؤمنًا بالله، ولآب إلى الله مقرًا مستغفرًا. فالإيمان لم يذهب من نفسه وإنما غطته عوارض زائلة. وذلك قريب من قول السيدة رابعة العدوية وقد خبروها أن (فلانًا) من العلماء أقام ألف دليل على وجود الله. فقالت لو لم يكن عنده ألف