المعنى فيعدّوا كل منظوم شعرًا. بل كان الشعر عندهم من جهة معانيه كالشعر عند اليونان. قال قدامة في نقد النثر: وإنما سُمِّي شاعرًا لأنه يشعر من معاني القول وإصابة الوصف بما لا يشعر به غيره. وإذا كان إنما يستحق اسم الشعر بما ذكرنا فكل من كان خارجًا عن هذا الوصف فليس بشاعر وإن أتى بكلام موزون مقفى
وإنما نظروا إلى الجانب اللفظي لأنه الجانب المحسوس الواضح الذي لا يشارك الشعر فيه النثر. وربما كان أول من عرّف الشعر العربي رجال العروض الذين ينظرون إلى ألفاظ الشعر دون معانيه.
وكذلك اليونان حين عرفوا الشعر من جهة المعنى لم يكن شعرهم خاليًا من الوزن والقافية ولكنهم نظروا إلى ناحية دون أخرى
والشعر والنثر مشتركان في قواعد البلاغة وقوانين الكلام وإن كان الشعر في جملته أميل إلى المجازات والاستعارات من النثر. قال قدامة بن جعفر في كتابه نقد النثر:
(وقد ذكرنا المعاني التي يصير بها الشعر حسنًا وبالجودة موصوفًا، والمعاني التي يصير بها قبيحًا مرذولًا. وقلنا أن الشعر كلام مؤلَّف، فما حسن فيه فهو في الكلام حسن، وما قبح فيه فهو في الكلام قبيح. فكل ما ذكرناه هناك من أوصاف حد الشعر فاستعمله في الخطابة والترسل، وكل ما قلناه عن معايبه فتجنَّبه هنا) .
ولكن يختلف الفنان فيما يعالجان من الموضوعات وفي طريقة البيان إجمالًا. فالأصل في الشعر أن يتناول الأمور التي هي أدخل في العاطفة والخيال، وإن يتانق في التصوير والتجوّر. والأصل في النثر أن يتناول الموضوعات الطويلة التي تحتاج إلى تفكير وتوضيح وإن يبين إبانة طبيعية، وربما يشارك النثر الشعر في موضوعاته فقد كتب الكتاب منذ القرن الرابع في الفخر والهجاء والمدح والعتاب والغزل الخ. وربما يشاركه في عباراته وأساليبه كذلك. ولكن يبقى بعد هذا أن الشعر والنثر في أصلهما مختلفان في الموضوع وطريقة البيان، ولولا اختلاف الشعر والنثر في الموضوع والتصوير لكان الكاتب المجيد شاعرًا مجيدًا إذا استطاع أن ينظم، ولكان الشاعر المجيد أجود في كتابته حين يتحلل من قيود النظم، ولكن الإجادة في الاثنين معًا لا تتفق لأكثر الناس. وقد سئل أبو إسحاق الصابي عن الفرق بين الكتابة والشعر فقال: