بينهما أنف كقصبة الدرّ أو حدّ السيف لم يَخنُس به قصر ولم يمض به طول. شُق تحته خاتم عَطِر كالأقحوانة الغضة، يلتمع فيه سمطان من اللؤلؤ المنضود تجري عليهما شُهدة العسل وسُلافة الرحيق!
وكانت تحلي جيدها العاجي الأتلع، بعقد من الجزع الظَّفاريّ، وسخاب من القرنفل والمحلب، واسطته عقيقة حمراء قانية، تتوهج في ثغرة نحرها، وفوق ثمرتي صدرها توهج الذهب الذائب في بوتقته
وإلى هذا الإثراء من الحسن المطبوع، أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود! فكان صوتها نديًا رخيمًا، عذب الجرس حلو الرنين! إذا حدت به في أعقاب الإبل، أو تغنت وراء الغنم، أو أخذت بأطراف الحديث في التسامر، صبت في الآذان ما يشبه وسواس الحلي أو زجل الحمام!
وبرح الحب بالفتى والفتاة، وفعلت الصبابة فيهما أفاعيلها! ولكن حياء الفتيان وخفر العذارى العواتق في هذه الأيام، حالا دون المكاشفة بهذا الجوى الدفين! فكانا يتناجيان بلغة العيون، والعيون أقدر على أداء رسالة الغرام، وأجلى إعرابًا عن لواعج الشوق السّاعر من لسان المقال!
تَكلَّمُ منا في الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت، والهوى يتكلَّم
وفي صبيحة يوم شديد القُرّ لاذع الشفيف، جلس العاشقان حول نار يصطليانها التماسًا للدّفء، وقد علق بصرهما بالشرر المتطاير هنا وهناك كأنه قُراضة الذهب، ذاهلين عن كل شيء حولهما غارقين في صمت عجيب! وإذا الفتى تمتد يده - دون أن يعي - إلى حزمة من يابس العرفج طرحها في النار، فذكا لهيبها واندلعت ألسنتها الحُمر تترقص على وجه الفتاة البضّ فتشبّ لونه، وتجلو فتنته، وتزيده سحرًا على سحر!
وأحست سعاد - بعد لأي - بلفح الأوار، فصحت من ذهولها، وازوّرت عن الموقد قليلًا متقية الوهج بإسبال جفنيها المنكسرين، فاستقرت أهدابها الوُطف على ورد خديها، فكان منظرًا أخاذًا يقرح قلب الخليّ، ويحثّ الناسك على الصبوة!
أخذت عينُ الفتى هذه الصورة الفاتنة، فعيل صبرهُ، وتدلّه عقله، وخفق قلبه خفوقًا متداركا، وربا سحره حتى ما يكاد يتنفس! ثم شعر كأن نفسه تتنزى من داخل إهابه، وأن أكمام