وهذا أيضًا كتاب (الذخيرة) فإن الجهد الذي بذل في تصحيحه وضبطه على الأصول المخطوطة التي طبع عنها وبيان اختلاف النسخ، قد أوفى على الغاية، وقل من المستشرقين من يستطيع أن ينفذ إلى إجادة مثله في التحرير، ومع ذلك فقد وقع فيه بعض ما كان يمكن تجنبه، لولا أن الأساتذة المصححين قد تهاونوا في تحطيم أسلوب المستشرقين الأعاجم، في التوقف الذي لا معنى له عند العربي، ونضيف إلى هذا علة أخرى، هي أنهم ليسوا ممن تخصص لشيء بعينه من تاريخ الأندلس وأدبه، فكذلك بقى بعض الخطأ كما هو، وأثبت على ذلك وليس له أي معنى. وترك مثل ذلك للقارئ مما لا يصح ولا يستحسن، ولنضرب لذلك مثلًا أو مثلين: ففي ص82 (. . . دبروا جميعًا عليه فقتلوه ليلًا. . .) وفي نسخة أخرى (بدروا) ؛ وكلا الحرفين لا معنى له في الجملة، والصواب عندي أن يكون (اندرأوا عليه. . .) أي هجموا عليه واندفعوا، ومن قرأ النص عرف أن هذا هو حق السياق، وكذلك في ص110 (وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان) وفي نسخة (وأذات) وكلاهما ليس له معنى، وهو محرف عن (ودرة) أو أي شيء يكون حليًا للصدر. . . ونحن لا نتتبع وإنما نقلب بعض أوراقه الآن على غير ترتيب، ومع ذلك فهو أجود بكثير من أغلب كتب المستشرقين
هذا. . .، وليس كل المستشرقين ممن يصح الاعتماد عليهم في كل شيء، فقد طبعوا كثيرًا من الكتب. . .، وأقل كتاب وأردأه مما يطبع في مصر هو خير من مثل هذه الكتب. فلو أخذت مثلًا (كتاب الزهرة) لابن داود الظاهري، الذي طبعه الأستاذ (لويس نيكل) بمساعدة الأخ (إبراهيم طوقان) لوجدت أكثره خطأً، بعد الذي بذله الأستاذ طوقان في الاستدراك عليه. . . ولو شئنا أن نضرب المثال بعد المثال على ذلك لضاق المكان عن إتمام ذلك
مباحثهم
أما مباحث المستشرقين فهذه هي موضوع الإشكال كله، والمستشرقون - كما لا يشك أحد - ثلاث فئات: فئة المتعصبين الذين تعلموا العربية في الكنائس لخدمة التبشير، وهم الأصل، لأن الاستشراق في أوله كان قد نشأ هنالك بين رجال الدين. .؛ وفئة المستشرقين الذي يخدمون السياسة الاستعمارية في الشرق العربي، وفئة العلماء الذين يظن أنهم تجردوا