نفع فلا أقل من أن أكون غير ذي ضرر. . فانتحيت جانبًا أفيض حسرة على متابعة هذا الحديث الشهي الدائر بين هاتين السيدتين. . . أريد أن أسمعه إلى آخره وأن أعتصر كل ما في أسئلة الزائر من بله، وأن أستمتع بكل افي أجوبة صاحبتها من صبر وسخرية. . .
ولكني ابتعدت مجاملًا، وعدت إلى تمثال المنجد عساني أرى فيه شيئًا أكثر مما أشارت صاحبة المعرض لزائرتها. . .
التمثال يمثل شابًا مصريًا منجدًا في جلباب قاهري لعله كان من (الزفير) أو (العبك) ، وهو جالس على الأرض جلسة المنجدين وفي يده القوي يضرب به القطن. . . وقد كتب عليه أنه من صنع الآنسة جلاديس بولاد وأنه نال الجائزة الأولى
التمثال كله مصنوع بمهارة وحذق ولباقة ورقة، وهو منسجم مستريح سليم لا عيب فيه إلا شيء واحد فقط. . . ذلك أنه إذا أقسم لي أهل الأرض وأهل المريخ بأن الآنسة جلاديس قد نقلت هذا التمثال عن شاب منجد حقًا فإني أصر على رفض هذا القسم ممتنعًا على الاقتناع به. وإنما وجه هذا التمثال منقول عن وجه شاب يخيل أليّ أنه من بيئة مهذبة تهذيبًا عاليًا، ما يخيل إلى أنه نفسه من المفكرين الذين لا يفتأون يحاسبون أنفسهم ليلًا ونهارًا ويتأملون في كل ما يسنح ويعرض لهم من البوادي والظواهر، كما أني أرى فيه ما هو أعمق من هذا وأشد انطباعًا في نفسه، ذلك أنه لابد أن يكون ذلك الشاب الذي نقل عنه هذا التمثال عاشقًا مدلهًا معذبًا أنكسر قلبه من الحب وهو يمسك بعقله خشية أن ينكسر هو أيضًا. . .
كل هذا ظاهر في ملامح الوجه الذي ربط على جسم هذا المنجد، فإما أن يكون هذا التمثال منقولًا عن شاب لا صلة له بالقوس ولا بالقطن، وإما أن يكون هذا المنجد من قراء الدكتور غالي الذين يدوخون في تفهم النسبية والإلكترونات وما إلى ذلك من المصاعب، على أن يكون هذا القطن الذي (ينجده) قطن معشوقته التي ستزف إلى منافسه في الغرام. . .
وعلى وجه غير هذين الوجهين لا أستطيع أن أفهم هذا التمثال ولا أن أستسيغه، فأيهما كان هذا الشاب صاحب هذا التمثال؟ على أي حال إن هذا أمر لا يعنينا وإنما يكفينا أن نلمح هذا اللون أو ذاك من الحياة في التمثال، فليس لنا عند الفنان أكثر من أن يسقينا شهده، وليس لنا عليه أن يكون هذا الشهد ما نعرف أو مما سبق لنا أن ذقناه. . .
إنه (منجد) رأته هكذا الآنسة جلاديس بولاد. . . ولها أن تفخر بأنها رأت شيئًا وبأنها تحس