إذا أقبل على تمثال جديد، فإذا لم يجد في نفسه القدرة على ذلك استرزق الله عملًا آخر غير الفن. . .
وبدأ الزحام الذي كان محيطًا بهدى هانم شعراوي في الركن البعيد ينحل قليلًا قليلًا، فقصدت إلى ذلك الركن فكان أول ما استرعى نظري فيه تمثال آخر صغير لبائع العرقسوس حسبته أول ما رأيته أنه من صنع آنسة أو سيدة لما رأيت فيه من حنان وإعجاب ذاعا في تكوينه ونحته، وتفصيل جوارحه تفصيلًا لا يمكن إلا أن يكون استجابة لطرب كانت ترقص به اليدان اللتان نحتتا هذا الجسم الفارع المشرق الأنيق. حسبت هذا ولكنني علمت أنه من صنع شاب هو سيد زيدان، فهنأته به ولم أكتم عنه ما خطر لي فابتسم في استحياء كمن لم يكن يحب أن يقال له كلام كهذا، ولكني هونت عليه بأنه لا حرج على الفنان الرجل أن يعجبه جمال الرجال. . . وإني أعتقد أنه لو كان زيدان قد اهتم بوجه تمثاله هذا على نحو ما لكان قد عرض إلى جانب هذا الجسم الحلو وجهًا فيه شيء ما نذكره له إلى ما ذكرناه من جمال البدن في تمثاله، ولكنه استغرق في الذراعين والساقين والكتفين، وغير ذلك واكتفى بذلك. . .
واكتفيت أنا أيضًا وهممت أن أنصرف، لولا أني رأيت عبد السلام الشريف ينطلق إلى تمثال (عازف الربابة) ليقرأ اسم صاحبه فقرأت الاسم معه وسألته رأيه في التمثال وصاحبه فقال: التمثال بديع وصاحبه أحمد صدقي مثال محسن
وعبد السلام الشريف فنان في الصف الأول من الفنانين المصريين، له أسلوب في الرسم والزخرفة لم يسبقه إليه إنسان، وقد أحدث القارئ عنه في فرصة قريبة، وفنان هذا شأنه لا بد أن يكون لشهادته قيمتها. والحق أن تمثال العازف على الربابة تمثال بديع ولو أنه لم ينل جائزة، وميزته أنه منحوت على المنهج الفرعوني وفق الطريقة التي أحياها المرحوم مختار، ومع هذا فإن صاحبه احتفظ (بقاهريته) في وجه التمثال فلم ينحته عن واحد من أبناء الصعيد أو أبناء الريف، وإنما صوره وجهًا قاهريًا فيه تأنق القاهريين، ولطربوشه ميلان التأنق الذي يصطنعه أبناء القاهرة، ولشاربيه انتظام شواربهم وإحسان تنظيمها
ولا ريب أن هذا التمثال كان أحق بالجائزة من التمثال الذي نال الجائزة الثانية، ولكنهم قالوا لي: إنهم منحوا الجائزة الثانية لآنسة متعمدين كي يشجعوا الجنس اللطيف على غزو