وأخيرًا، أجيب نفسي: كيف أتساءل وهم كثيرون؟
هاهم أولاء يقفون أمام تمثالك مهللين مكبرين بعد وفاتك بأعوامٍ عدة. . . . . .
وهاهو أولاء يسيرون في الشارع الذي أطلق عليه اسمك العظيم بعد اختفائه سنين طوالًا
أجل، لقد عرفوك وذكروك وعظموك بتلك الأكاليل المعقودة من الحمد على مفرقك عرفانًا لفضلك وإقرارًا لمجهودك. وهاهم أولاء يهرعون إلى التمثال لينثروا حوله آيات الذكرى الطيبة
يا مصطفى:
حسبك فخرًا أنك يوم ظهرت لم يكن في مصر سوى مصطفى واحد. . .
ثم حسبك أنك نبغت حين كانت مصر تضرب من اليأس في ظلمات بعضها فوق بعض، وقد تظاهر عليها عنت السياسة وفقدان العون وخذلان القدر؛ فكنت الأمل الساطع الذي محا هذه الظلمات فصيرها نورًا من المجد والإسعاد. وكانت القوة الهادية السارية على ذلك الضعف الذي زال. بل وكان عملك بعد ذلك نظامًا دار عليه فلك التاريخ المصري دورة جديدة
فما كان أنشط كاهلك وما كان أثقل ما عليه من الأعباء، وما كان أشق المهمة التي سهلها عليك مضاء عزيمتك وقوة ثباتك بل ما كان أقصر المدة وأبعد المدى
ثم حسبك فخرًا يا مصطفى أن كل مصري كاد يكون مصطفى في عقيدته
وحسبك أن مبادئك ملء النفوس وذكراك مقترنة بتاريخ مصرنا العزيزة
وإذا كنا اليوم نرى ثمرة الجهاد دانية فحري بنا ألا ننسى من غرسها وتعهدها بالسقيا حتى أينعت الأثمار. ونحن بعد قد قطعنا وهي بأيدينا شوطًا بعيدًا متفائلين ببشراها التي يعتذر لنا بها الدهر في كل حين
يا مصطفى:
الآن وقد آن لك أن تعود إلينا لا حيَّا تقام لاستقباله المواكب وتنظم لتحيته الكواكب. بلى ولكن لتعود تمثالًا ومثالًا أعلى لمجاهد في سبيل وطنه
الآن وقد عدت إلينا - وشتان بين العودتين - عدت إلينا مثلا حيًا وفكرًا دائمًا
فإليك تحية الوطنيين