واحدة فتفرقا. لم يدركا يومئذ شيئًا من معاني الفراق المهلكة التي تمحق النفس بالتأمل واللهفة والحنين، بل نظرا ثم توادعا ثم افترقا ثم نسيا. أو هكذا كان، ولكنه لم يكن في الحقيقة نسيانًا، بل كان عملًا من أعمال القدر الغامضة، كان تعبئة للأحداث العظيمة التي تتهيأ فتصنع النفس الإنسانية صنعة جديدة لقد عرفت ذلك فيما بعد. وتسحبت حواشي الحياة بينهما، حتى رقت أيامهما الأولى ثم جعلت ترق حتى استحارت أحلامًا من الذكرى المبهمة ترف على القلب رفيف النسمات: لا ترى بل تحس، ولا تمسك ولكنها تلقي عطرها في القلب وتمضي. نعم لقد نامت العواطف الناضرة الصغيرة في مهد النسيان، ولكنها كانت تنمو أيضًا في جو هذا المهد
ومشى الزمن بينهما يقيم سدودًا وأسوارًا من السنين وأحداثها، وكما كبرا وامتدا من أيام العمر، كبرت السماء التي تظلهما وترامت آفاقها، واستحالت الأيام الصغيرة الأولى أشباحًا ضامرة لا تكاد تبين من دقتها وخفائها
ثم فجئهما القدر فتلاقيا بعد دهر طويل كما يتلاقى نجمان في ظلمة الليل، يتناظران لمحة وشعاعًا من بعيد لبعيد. هكذا عرفت.
لقد كان هو يحس في بعض أيامه قبل ذلك اللقاء، أن الفلك قد دار دورته في القدر، وأن القوة المسخرة قد قذفت به في نظام من الجذب جديد، فلم يكد حتى لمح له شعاعها من بعيد يليح إليه بأضوائه وكأنما يقول: أقبل. . . هلم إلي. . . هأنذا. . . هأنذا!
ولم يلبث أن أتم هذا الفلك دورته، فإذا هما يتناسمان في جو عطر تنفح من أرادنه أنفاس الأيام الصغيرة الأولى. . . أيام الطفولة التي تنمو فيها عواطف القلب وتتفتح، كما تنمو الزهرة في أكمامها تحت السحر في مهد الفجر بين روح وشعاع وندى
واجتمعا. . . فإذا هي غادة مضيئة تزهر. لكأن الزمن اختطفها كل هذا الدهر وتسلل بها في بعض مصانعه العجيبة، وجعل يجهد جهده بأنامله النابغة الدقيقة، فهو يجلوها ويصقلها حتى إذا فرغ من فنه الذي اختفى لها به، ردها إليه ينبوعًا من النور الضاحك المرح يترقرق لعينيه ممثلًا في صورتها. . . لقد شبت الصغيرة، ولكن شبابها كان رقة وحنانًا في أنوثتها، واستوت فكان استواؤها دقة في فن من جمالها، ونمت نموًا وضاحًا، وكأنما كان يغذوها نور الكواكب ويرضعها روح الزهر. . . لقد وجدها وهي تضوع وتتلألأ من جميع