سمعتها يومًا في رواية (الغندورة) ، وكانت تنشد اللحن الأخير من الحان الرواية، وقد عرف الجمهور أن هذا اللحن هو اللحن الأخير فأخذ الناس يتسللون مغادرين المسرح، ووقف بعضهم يستمع اللحن متهيئًا للخروج بعد الفراغ منه ومتحرجًا من الخروج قبل الفراغ منه. . . وإذا بمنيرة (تنسجم) فجلس الذين كانوا واقفين، وعاد الذين كانوا يتسللون خارجين، وفاضت في الحضور جميعًا نشوة من الطرب نفثتها منيرة سحرًا. . . وكنت أنا من أشد المنتشين بغنائها، وكنت أحملق فيها وأنا أسمعها فكنت أراها كأنما هي سكرى تترنح في ثبات رهيب. . . إي وحياة تلك الليلة كان ثباتها في سكرتها تلك رهيبًا. . .
الآنسة أن كلثوم
فتاة حادة النفس كأنها فتى، هبطوا بها من الريف إلى القاهرة ليستغلوا مواهبها، فتيقظ عقلها، والتهب تفكيرها رغبة منها في المحافظة على كيانها، وفي تحقيق أحلامها، وكان من آثار هذا أن اختلق عقلها سوء الظن بالناس دفاعًا منها عن مجدها واسمها ونفسها، وصاحَبَ هذا شيء من الحرص الشديد على مالها، كما داخلها بعد ذلك شيء من الاعتداد بمكانتها
هي فنانة بالفطرة، تحب الجمال على نحو ما يحبه الرجال الفنانون، وهي تنحدر في ذلك إلى ما فوق نزعات المرأة حتى لترتج ارتياحًا وانبهارًا إذا رأت فتاة حسناء. وليست النساء هكذا، فالمرأة تغار من المرأة، ولكن أم كلثوم قد قتل شغفها بالحسن هذه الغيرة في نفسها. . .
مغنية شجاعة لا تتهيب من ألحان القصبجي على ما فيها من قفزات وتسلقات وانحدارات وتعقيدات جبارة
وهي مغنية طيعة، إذا ساقها فنان فياض مثل زكريا أحمد، أدت له بصوتها الممتاز الكامل كل ما يجول في خاطره من صوت بكل ما يضطرم في نفسه من إحساس وعاطفة
ولكنها مغنية مستخفة بكل شيء، إلا صوتها، فكم أذاعت على الناس أخيرًا من ألحان ليس فيها إلا زعيق وصراخ، معتمدة في ذلك على أن الناس يسمعونها حتى إذا قالت (ريان يا فجل) !
حرام عليها أن تفعل هذا، ولكنها تفعله لأن بعض الملحنين غال، وبعضهم رخيص،