كما قنع التلاميذ بالفهم السطحي دون العميق، وبالنجاح في الامتحان دون العمل للعلم لأنه في ذاته حسن وجميل وعامل من أقوى العوامل على المعيشة في عز وكرامة وسعادة! ولا أظنني مبالغًا في شيء من هذا الذي أقول! وإلا فأين ما تخرجه هنا دور الطباعة من المؤلفات في العلوم التي نقرأها ونتدارسها منذ مئات السنين؟ لكم تمنيت أن نارًا تنزل من السماء فتلتهم أكثر ما نملك من أسفار قديمة، على ما فيها من خير كثير ليكون ذهابها حافزًا لنا على الإنتاج في العلم، وعلى التخلص من الآثار الوبيلة لما جره علينا اعتقادنا بأن القناعة من الفضائل! فقد أمات هذا الاعتقاد منا الهمم والعزائم، وكان عاملًا من عوامل التثبيط والركود، وسببًا من أسباب وقوف أولياء أمورنا في السياسة والإدارة والعلم عند حد عدم النزول عن المستوى الموجود الذي يقنعون به، ويقولون في أنفسهم حسبنا أن تسير القافلة فيما رسم لها من طريق قبل أن نلي ما ولينا من أمور هذا البلد!
وأخيرًا، لست أدعو بهذه الكلمة إلى أن يكون المرء شرهًا لا يقف عند حد في رغباته، فهذا أيضًا رذيلة كالقناعة بالدون سواء بسواء، إنما أدعو إلى أن نتأسى بالرسول الكريم والصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فنبذل الجهد في طلب كل ما يمكن من خير لأنفسنا وأمتنا، مستغلين في هذا خير استغلال ما وهبنا من قوى مادية ومعنوية في سائر نواحي الحياة، ثم بعد ذلك نقنع بما نصل إليه بعد طرح الكسل وبذل المجهود، ففي هذا خير الدين والوطن والسعادة الخاصة والعامة. هكذا كان صنيع الصحابة الراشدين حين لم يقنعوا بالعيش آمنين في جزيرة العرب، وتعدوها إلى ممالك الروم والفرس ففتحوا منها ما شاء الله، وعاشوا أعزة سعداء، ضاربين لمن أتى بعدهم وللعالم أجمع في هذا أحسن الأمثال. والله يهدي للرشد، ومنه الخير والتوفيق والسداد.
محمد يوسف موسى
المدرس بكلية أصول الدين