أو تحب، فكل ذلك حياد عن القصد وجور عن السبيل، وخروج عن العرف، وانتقاض على التقاليد.
كانت الهوة بينه وبين فتحية عميقة سحيقة لا حد لها ولا غاية ولا قرار: انصرفت هي إلى حبها وذكرياتها وكتبها فاستغرقتها واستأثرت بها، فلم تجعل لشيء آخر في قلبا مستقرًا ولا مقامًا.
وتولى هو إلى مزارعه وماله عن كل شيء عداها، وكان حقير النفس فقير العاطفة مجدب الشعور، لا يضطرب في نفسه إحساس ولا تعرف العواطف إلى قلبه سبيلا: كل أيامه بعد أعماله أكل ونوم. . . يمر النهار فلا يكاد يتحدث إلى زوجه بأكثر من كلمات آلية معدودة، وإن تحدث ففي شئون مزارعه وماشيته حديثًا تافهًا ضئيلا لا يدل على معنى، وإن كان يدفع السأم ويرد إلى الضجر القاتل.
ضاقت فتحية بهذه الصور المتشابهة من العيش، وأسقمها هذا اللون من الحياة المضطردة الباردة، فاندفع السأم واليأس إلى نفسها اندفاعا قويا.
وضاعت في تيه الذكريات والظلم هذه المخلوقة الشقية التي تستقبل الصباح بالدموع وتودع النهار بالدموع. . . فزعت إلى الكتب تقرؤها إذا كان وجه النهار إلى الضحى، فإذا أقبل العصر خرجت إلى الحقول مطرقة ذليلة لا تحدث إنسانًا ولا تستمع إلى إنسان فتقضي وقتًا ما، ثم تأخذ طريقها الصامت إلى المنزل فتخلوا إلى نفسها في غرفتها، ثم تخرج صور سامي فتتحدث إليها وتسكب أمامها الدمع كأنها عابد في المحراب. . .!
.. . وظهر زوجها على صور سامي ورسائله، فثارت نفسه وارتد وحشًا ضاريا عاتيًا ديس عرينه وأبيح حرمه واستحل حماه، وبدت في خلقه صورة جديدة، الغيرة الصارخة العنيفة. فمسخت تصرفاته كلها وصبغت حياته بلون قاتم ظالم مستبد.
العرض والشرف في الريف شيئان يهون معهما كل شيء. . .! ومضى الوحش يفكر في انتقام هائل مروع بعيد الأثر: فكر في قتلها وفي طلاقها: ولكن هذه الصور لم ترض شعوره المحنق، ولم ترو نفسه الصادية إلى الدم، لأن في كل هذا موتًا سريعًا مريحًا، ولكنه يريدها أن تموت على مهل في نزع طويل بطيء واستقرت نفسه الحائرة أخيرًا على تجربة بدأها حالًا، فعمد إلى كتبها وأوراقها فجعلها وقودًا للنار، ثم أخذها هي بالقسوة وسوء