بعسر، ولا يكاد يراها إلا بمنظار، ولا يكاد يحسها إلا بمجهود، هي (كاللمبة) قوتها شمعة واحدة، بل هي فوق ذلك مغبشة لكي تضعف قوتها، هي من جنس ما يستعمل في حجر النوم، نور كلا نور ووجود كعدم، لا تتعب نظر النائم لأنه لا يشعر لها بوجود، ولا تستهلك مقدارًا يذكر من التيار لأنها كامنة الحياة، مسكينة في فعلها وانفعالها، ضعيفة في تأثيرها وتأثرها، وهذه شخصية أخرى قوتها ألف شمعة أو ألفان أو ما شئت من قوة، تضئ فتملأ البيت نورًا، بل هي أكبر من أن تضاء في بيت إنما تضاء في شارع كبير أو ساحة عامة، إذا وضعت في بيت أقلقت راحة أهله بقوتها، وأعشت الناظر بضوئها، وعُد وضعها غير ملائم لجوها، وكان مثل ذلك مثل من وضع (فنارًا) في بيت، أو أشعل أكبر وابور جاز ليصنع عليه فنجان قهوة - وبين اللمبة الأولى الضعيفة الخافتة، والثانية القوية الباهرة درجات لا تحصى، فكذلك الشخصيات، بل أكثر من ذلك - ولكن هناك فروقًا بين الشخصيات واللمبات، أهمها أن اللمبة الكهربائية لا يمكنك أن تنقلها من قوة إلى قوة، فاللمبة التي قوتها شمعة واحدة هي كذلك أبدًا، والتي قوتها مائة أو مائتان هي كذلك أبدًا، وكلما تستطيع أن تفعله أن تنظف اللمبة وتجلوها حتى لا يضعف غبش من قوتها، ولا يقلل غبار من ضوئها - أما الشخصية الإنسانية فقابلة للتحول، بل هي قابلة للطفرة صعودًا وهبوطًا، علوًا وانحطاطًا - فبينا هي خاملة ضعيفة إذ اتصل بها تيار قوي أشعلها وقواها حتى كأنها خلقت خلقًا آخر، وكأنه لا اتصال بين يومها وأمسها، هي اليوم مخلوق قوي فعال يلقي أشعته إلى أبعد مدى، وكانت بالأمس لا يؤبه بها، ولا يحس بضوئها - كذلك ترى شخصيات أخرى يخبو ضوءها، فإذا هي مظلمة بعد نور، وضعيفة بعد قوة، ليس لها من حاضرها إلا ماضيها - وكذلك شاء الله، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويخلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم يرده أسفل سافلين - وتأريخ الإنسان مملوء بالأمثال، فكم من نابغ بعد خمول، وخامل بعد نبوغ، وميت في الحياة الأدبية والاجتماعية حي، وحي مات، وهكذا شخصيات الناس في مد وجزر دائمًا.
وهذا التغير المستمر في الشخصيات هو الذي أبقى على أمل المصلحين في إصلاح الناس، وباعد بينهم وبين اليأس.
وكل شيء يواجه الإنسان في حياته يؤثر في شخصيته أثرًا صالحًا أو سيئًا فالغنى بعد