بنظرك إلى الشرق واخبرني ماذا ترى؟ قلت: أرى واديًا عظيمًا يمر فيه تيار هائل من الماء. قال، ' ن هذا الوادي هو جزء من تيار الأبدية العظيم. فسألته ما السبب في إن التيار الذي أراه ينبع من ضباب كثيف من طرف، ثم يتلاشى في ضباب كثيف في الطرف الآخر؟ قال؟ إن ما تشاهده هو ذلك القسم من الأبدية الذي ندعو بالزمن ونقيسه بواسطة الشمس، ويمتد من بداية الدنيا إلى نهايتها. حدق الآن في هذا البحر الذي تكتنفه الظلمات من جميع جهاته وأخبرني هما تجد فيه. . إنني أرى جسرًا في منتصف التيار. قال: إن هذا الجسر الذي تراه هو حياة البشر، فإنظر إليه جيدًا. وبعد إعادة النظر الدقيق وحدته مؤلفًا من ستين دعامة وعشر أخرى منفردة وبعض الدعامات المخربة التي إذا أضفناها إلى تلك تجعل المجموع يربي على المائة. وفيما كنت أحصي الدعامات أخبرني الجني أن الجسر كان مؤلفًا في البداية من ألف دعامة، ولكن فيضانًا مدمرًا جرفها وترك الجسر في حالة الخراب التي تراها. فسألني عما أجد فوقه فقلت: أرى جمهورًا من الناس يمرون عليه وأرى سحابتين سوداوين معلقتين فوق نهايته. وبع أن أعدت النظر ثانية رأيت بعض السائرين يسقطون من الجسر إلى التيار الهائل الذي تدفق في أسفله. وبعد كثير من الفحص والتدقيق لاحظت مزالق لا تعد وضعت في الجسر بصورة خفية، وحينما يطأها المارون يسقطون منها إلى التيار فيبتلعهم حالًا ويختفون. وكانت هذه الفتحات الخفية واسعة عند مدخل الجسر بحيث أن كثيرًا من الناس كانوا يسقطون فيها حال خروجهم من الغيوم. وتأخذ في الضيق عند منتصفه ولكنها تتضاعف وتقترب من بعضها عند اقترابها من نهاية الدعامات المنفردة. لقد وجدت أن عددا قليلًا جدًا من الناس هم الذين استطاعوا الاستمرار في سيرهم نحو الأعمدة المخربة ثم سقطوا تباعًا منهوكي القوى متعبين من ذلك السير الطويل.
وقضيت بعض الوقت في تأمل ذلك البناء العجيب وما بان فيه من مواضع مختلفة غريبة. وقد ملأ قلبي الأسى لرؤية بعضهم يسقطون على حين غرة وهم في أوج السعادة والمرح فيتشبثون بكل ما تقع عليه أيديهم لإنقاذ أنفسهم.
وكان بعضهم ينظر إلى السماوات غارقًا في تفكير عميق، وفي خلال تلك التأملات والذهول يتعثر ويسقط ثم يتوارى عن النظر.