ملك مصر والشام لبيبرس، فما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندي ومملوك لي، ارجع إليه وقل له! (والله لئن لم يتركني، وإلا دخلت بلاد التتار وأعلمتهم أني تركت ملك أبي وأخي وملكي لمملوكي، وهو يتابعني ويطلب مني ما أخذته) فأغلظ له رسول بيبرس القول حتى اشتد غضب الناصر وصاح به، ويلك! وأمر أن يرمى من سور القلعة. ثم ثاب إلى رشده واكتفى بحبسه، ثم طرده ماشيًا من الكرك، وقد استغل الناصر ما حدث لاستدرار عطف الناس فكتب إلى جميع الأمراء بالدولة المصرية وإلى النواب بالبلاد الشامية كتبًا سيرها مع العربان يستنكر سلوك بيبرس معه، وفي آخر كل جواب (إما أن تردوه عني وإما أن أسير إلى بلاد التتار لاجئًا مستغيثًا) .
بداية النهاية
كانت الأفكار مهيأة من قبل عند أمراء الشام بزعامة قراسنقر فكتبوا إلى الناصر بأنهم طوع أمره، أما أمراء مصر وقوادها فأخذوا يهربون إلى الكرك وينضمون إلى الناصر بمماليكهم وأموالهم وأسلحتهم، تاركين أولادهم بمصر، فبدأ الشك يساور بيبرس، وارتاب في جميع المماليك بسبب ذلك، وزاد الأمر حرجًا أن البرجية، وهم أعوان بيبرس استغلوا ظروفه الحرجة وأخذوا يظهرون جشعهم، ويطلبون ثمن إخلاصهم، ثم استبد الخوف بيبرس وارتاب في أخلص الناس إليه، وقبض على كثير من الأمراء والمماليك، وقطع رواتبهم وأرسل كتابًا شديد اللهجة إلى الملك الناصر ليعيد من هرب إلى مصر، وأغلظ فيه وأفحش على غير عادته، ولكنه الضعف دائمًا، وحرج المركز، يسببان الشعور بالنقص، فيعوض الإنسان هذا الشعور، بالتكبر والتعالي مرة، ويبذىء الألفاظ مرة أخرى، وبالوعيد والتهديد آنًا آخر، وقد أشارت بطانة الناصر عليه، أن يرد على بيبرس ردًا لينًا إمعانًا في الخديعة، حتى يتم الاستعداد، وينفض عنه الجميع.
رد مخادع
كتب الناصر إلى بيبرس جوابًا على طلبه من هرب من الأمراء هذا نصه: (المملوك محمد بن قلاوون يقبل اليد العالية المولوية السلطانية المظفرية أسبغ الله ظلها، ورفع قدرها ومحلها. . . لما علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة وسيرت إليهم ألومهم على ما