وأمسيت واثقًا أن أثر وعيدي قد سرى في نفسه. ألم تر السجين وهو ينطلق من باب السجن لأول مرة بعد أعوام طويلة طواها بيت القيود والأغلال؟! هكذا كنت حين ارتديت بدلتي على عجل وهرعت إلى دار صديقي زكي لأحتفل بالمناسبة السعيدة بشرب كأس من الخمر بعيدًا عن أعين الرقباء. وكم دهش زكي من تلك البهجة التي أشربت جوانبي بالخفة والمرح وأثارت وجهي بالبشاشة والارتياح وهو الذي عهدني كئيبًا مغتمًا كسجين ينتظر ساعة إعدامه على حد تعبيره ولازلت أذكر كيف كان يرمقني باستغراب وأنا أرفع الكأس إلى ثغري في ضجة وصخب وألقى الفكاهات المحطمة في حماس ثم اندفع مقهقهًا ولازلت أذكر أيضًا أنه سألني في دعابة - وأنا في غمرة نشوتي - إن كنت قد ربحت الجائزة الأولى ليانصيب (جمعية المواساة الخيرية) فانطلقت أحشو إذنيه بمحاضرة طويلة مضمونها أن قيمة المال تافهة بالنسبة للحياة الحقَّة، وأن العواطف المتقدة الجميلة التي تهبها لنا هي الكل في الكل ولا أخاله فهم شيئًا من محاضرتي لأنني كنت كمن يحدث نفسه حديثًا خاصًا.
وتوالت الأيام دون أن يظهر مهدي على السور وتلقت بدور اختفاءه في الأمسية الأولى بهدوء وعدم اهتمام. وفي الأمسية الثانية تسللت إلى صدرها هبة من رياح القلق عبر الفجوة الصغيرة التي تفتقت في أحاسيسها. وأخذت الفجوة تتسع وتتسع على تعاقب الأيام والرياح تتكاثر وتتكاثف حتى ملأت صدرها. وعندئذ انقلبت إلى مخلوقة جديدة لا تمت إلى بدور بصلة سوى الشبه في الملامح والتكوين. أما بدور القديمة. . . بدور بروحها المرحة ووجهها الطلق وعينيها المتألقتين وشعرها المترفع فقد باتت حلمًا عابرًا في نومة هانئة.
يا لتلك الحياة الجديدة التي ولدت لها. . حياة أشبه بتلك التي تمنح لوليد كتب له العيش في الظلام. كانت تتحرك وتروح وتجيء ولكنها تمثال. . . تمثال نحت رمزًا للكآبة واللوعة والحزن وأصبح منظر شعرها كئيبًا قاتمًا كأنه يشاركها في مصابها، ولم يعد يذوق للمشط طعمًا بل بات يترامى على كتفيها في إهمال ويتجمع على بعضه ويلتف في مذلة وخذلان ولم أكن أتصور أن تخلف غيبة مهدي في نفسها ذلك الأثر، فقد كنت أحسب أن ألمها سيكون كسحابة صيف تحجب الشمس لساعات ثم لا تلبث أن تتبدد سريعًا. ولكن الأمر تبدى لي أعمق مما تخيلته بكثير، وما كان هذا الوضوح إلا ليضرم ألمي ويأسي وموجدتي. ووجدتني في موقف أحسد فيه نفسي على حياتي الماضية. وكان من الواضح أن بدور