هذه ولا شك محاولة إيجابية قام بها الإغريق للتوحيد بين الإقليمين وإن كان النجاح لم يكن حليفًا لها، فعلى العموم تصلح أن تكون نواة لحركة أخرى أقوى وأكثر وضوحًا فيما بعد. يتبين لنا ذلك عندما نرى البطالسة ملوك مصر وقد بسطوا سيادتهم على برقة أخذوا يزحزحون حدودها إلى الغرب حتى أوصلوها إلى سرت، ثم يقوم حاكم قروبنا المسمى إفلاس بحركة جريئة كان الغرض منها ضم طرابلس إلى برقة عندما تعهد بمساعدة اجاثوكليس الإغريقي طاغية سيراكوز بصقلية في حربه مع قرطاجة على أن تطلق يده في لوبيا الغربية في حالة النجاح. وبدأ إفلاس فعلًا في تنفيذ خطته وسار بجيشه عبر الساحل الطرابلسي إلى تونس وإن كانت هذه المحاولة الجريئة التي قام بها إغريق برقة لضم طرابلس لم تنجح هذه المرة كذلك؛ فإن ذلك لا ينفي هذه المحاولة الرامية لتوحيد الإقليمين بإخضاعها لسلطة واحدة، إذ أن عدم التمسك بتحقيق شروط هذه الاتفاقية وروح الخيانة بين الحليفين هي التي وقفت دون تحقيقها.
وبعد أن فشلت محاولات التوحيد التي قام بها الإغريق واستقر كل فريق في الجزء الخاص به رأينا المنازعات والمشاكل تقوم بين البلدين على الحدود لعدم وضوحها ووجود ما يصلح أن يكون حدًا فاصلًا بين الإقليمين. وسرعان ما اتخذت هذه المنازعات شكل الحروب المنظمة. فالتاريخ يحدثنا أن الحرب قامت بين قروبنا وقرطاجة من أجل هذه الحدود عندما كانت قروبنا تتزعم المدن الخمس بإقليم برقة، وعندما كانت قرطاجة تبسط سيادتها على طرابلس. وهكذا كان في شطر هذه البلاد في ذلك الوقت مدعاة للحرب والمنازعات. ويحدثنا أيضًا كيف انتهت هذه الحرب بين الطرفين وبقصة التحكيم وتضحية الأخوين فلياني من أهالي قرطاجة وإقامة مشهد تذكاري لهما في المكان المعروف الآن (بالقوس) ولا شك أن الرضى بهذا الحد الصناعي لم يكن كذلك إلا خوفًا من تجديد الحرب بينهما وإفناء قوتهما وتعريضهما للفناء أمام خصم جديد أخذ يظهر للوجود متمثلًا في روما وقوتها، وإلا ما كانت هذه الحدود الصناعية تصلح أن تكون حدودًا وافية بالغرض الذي أقيمت من اجله ولا أدل على ذلك من نشاط تجارة التهريب بين الإقليمين عندما فصلًا عن بعضهما بعد هذه الاتفاقية وكيف قامت مدينة (كاراكس) المعروفة الآن (بسلطان) كنتيجة لهذه التجارة وكيف نشطت هذه الحركة خصوصًا فيما يختص بتجارة نبات السلفيوم الذي كانت تنتجه برقة