فإذا كنا نحتفي بكتاب الأوراق، فإنما ذلك لأنه صورة لتلك الشخصية العظيمة في تاريخ الأدب العربي، ومثال من خير الأمثلة عن الطريقة الأدبية لأسلافنا في معاناة الرواية ونقدها وتمحيصها. والتوفر على الجمع والمقارنة، ثم هو فوق هذا كله زيادة في المادة التاريخية، وتوطيد لأسس البحث العلمي، بالنسبة إلى عصر من أشد عصور الأدب العربي اختلاطًا واضطرابًا، وأغصها بالتيارات المختلفة، والنزعات المتباينة المتشابكة.
وهذا القسم الذي نشر من كتاب الأوراق خاص بأخبار الشعراء المعاصرين، وقد سلك الصولي في تصنيفهم مسلكًا حسنًا جديرًا بالتنويه، ذلك أنه راعى في ذلك أسرهم: فذكر أولًا أسرة اللاحقيين، ثم أسرة أحمد بن يوسف وزير المأمون، ثم أسرة السلمي أشجع بن عمرو. وهذا نحو جديد في التصنيف الأدبي جدير بأن يغتبط به الذين يتتبعون الصفات الوراثية المشتركة، والذين يرون في الأدب صورًا لقوانين الوراثة المقررة.
وإذا كانت هذه طريقته في عرض الشعراء، لم يتقيد بذكر المشهورين منهم، ولا حبس نفسه عليهم، وقد صرح هو نفسه بهذا الاتجاه في آخر كتابه فقال: (قد جئت بأكثر أشعار هؤلاء إذ كانوا شعراء ظرافًا كتابًا لا يعرفهم الناس، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم. . وإنما استقصي أشعار من لا يعرفون وأخبارهم) وكذلك كان الصولي، فقد انطلق في ذكر هؤلاء الشعراء المغمورين، وسرد أخبارهم ورواية أقوالهم وأشعارهم، مما هو جدير بالرواية، حقيق أن ننعم فيه النظر، ونستخلص منه كثيرًا من الحقائق التاريخية التي قد لا تتضح في مشاهير الشعراء، فقد تقيد الشهرة صاحبها بكثير من القيود التقليدية، وتنشر حوله غشاء مصنوعًا، حتى يصبح من العصر الذي يعيش فيه، صورة كثيرة التزوير والتمويه. على حين ينطلق الشاعر المغمور في سبيله يصور من نفسه وعصره وبيئته ما وسعته الحرية في التعبير، والقدرة على التصوير.
ولعل كبار الشعراء هم صور من عبقرياتهم، أكثر من أن يكونوا صورًا لعصورهم وبيئاتهم، وما تموج به من شتى النزعات ومختلف الصور والتيارات.
فكتاب الأوراق يضعون بين أيدينا إذن مصدرًا عظيم الخطر من مصادر التاريخ، ويبصرنا بكثير من الحالات التي سيطرت على الأدب في ذلك العصر، بما يكتبه عن أولئك الذين انطبعوا بحياتهم، وصوروها تصويرًا حرًا طليقًا من قيود الشهرة.