وقد ألف المسلمون كثيرًا في الهندسة، ونقلوا عن اليونانية كثيرًا من كتبها، وزادوا كثيرًا من النظريات، وبرهنوا على كثير من القضايا التي لم يبرهن عليها في عهد اليونان. فقد ألف محمد بن الحسن بن الهيثم خمسة وعشرين كتابًا في الرياضيات منها رسالة في برهان الشكل الذي قدمه أرخميدس في قسمة الزاوية ثلاثة أقسام ولم يبرهن عليه. وكتاب في تحليل المسائل الهندسية وشرح لأصول أقليدس وغيرها مما هو مذكور في كتاب طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة (ج: 2ص: 90) .
وقد حفظت العربية بعض كتب اليونان الهندسية التي لم يبق إلا ترجمتها العربية مثل كتاب الكرات لمنالاوس والخلاصة أن الهندسة وصلت في عهد اليونان ثم في عهد العرب إلى درجة من التجريد النظري لا يستهان بها.
الميكانيك: نشأ علم الميكانيك بالتدريج من الأمور العملية، وقد درس أريسطو بعض مسائله، ولكن بصورة عملية مغلوطة أحيانًا. وأرخميدس أول من أسس أركان الميكانيك النظري، ولكنه كان يعد النظر في الآلات التي يستعان بها في الحياة المادية صناعة خسيسة يترفع العلم عن البحث فيها. وكان العرب يسمون هذا العلم علم الحيل، قال الفارابي في تعريفه: (إنه يبحث في مطابقة جميع ما يبرهن وجوده في التعاليم - أي العلوم الرياضية - على الأجسام الطبيعية) .
ولم يصل هذا العلم عند اليونان والعرب إلى درجة تذكر، فقد كان علمًا عمليًا، ولم يتم تأسيسه إلا في العصور المتأخرة، ويرجع الفضل في تقدمه الأخير إلى سيمون ستيفن وديكارت من علماء القرن السابع عشر، فهما اللذان فكرا في تمثيل القوة بشعاع هندسي، ودراسة مبحث القوى بصورة هندسية مما أدى إلى تطور عظيم في هذا العلم. ثم توسع بعد ذلك في هذه الأبحاث لاجرانج في كتابه الميكانيك التحليلي سنة 1787.
ولم يكن تطور علم الميكانيك واحدًا في جميع أقسامه، فقد درس أرخميدس توازن القوى، وتأخر مبحث الحركة والقوى المسببة لها حتى درسه غليلو سنة 1638، ومبحث الحركة مستقلة عن القوة حتى درسه أمبير سنة 1834، ويلاحظ أن تطور هذا العلم كان متصاعد التعميم. فمبحث توازن القوى أخص من مبحث الحركة والقوى، كما أن هذا أخص من مبحث الحركة.