وكان ما ظنت فاطمة قبيّت زيادة هدبه وأهل بيته، وهم عنه غافلون، فضرب هدبه على ساعده، وشج أباه خرشمًا. وانصرف يقول:
شججنا خرشمًا في الرأس عشرًا ... ووقفنا هديبةً إذ أتانا
فثارت ثائرة هدبة، فتقلد سيفه وأنصرف لا يلوى على شيء، حتى وجد زيادة فجلله به فقتله. ولما سكت عنه الغضب، ورأى انه قتل رجلًا مسلمًا ندم وجعل يلوم نفسه ويقرعها:
-ويل لي! ماذا صنعت اعتمدت إلى أبن عمي فقتلته، ومن قتل نفسًا مؤمنة فكأنما قتل الناس جميعًا. فعلتها من أجل هفوة لا تقدم ولا تؤخر: يا نفسُ ما أضلك وأشقاك! ألم يردعك دين؟ ألم يحجزك إيمان؟ ألم تُنَهْنِه من عزمك جهنم؟ ماذا تقولين لربك غدًا؟ وانطلق يقول لها هذا وشبهه حتى طلع الفجر. . .
وكان الغد، فإذا عبد الرحمن (أخو زيادة) عند أمير المدينة سعيد بن العاص يشكو إليه قتل أخيه. وأحضر سعيد هُدبَة، فلم ينكر ولم يكذب. . . وكره سعيد أن يقتل هدبة، وهو الشاعر المتقدم، لسان بادية الحجاز، وهو أخو ثلاثة كلهم شاعر: حوط وسيحان والواسع. . . وهو الفارس الكريم المحبوب. . ولم يكن يستطيع أن يعفو أو يغير حكم الله. فبعث بهما سعيد إلى (معاوية)
وكان معاوية ظنينًا بهذا الشاعر أن يعرضه على القتل، ولكن حكم الله فوق هوى أمير المؤمنين. . . فلما مثلا بين يديه، قال عبد الرحمن:
-أشكو إليك يا أمير المؤمنين مظلمتي، وقتلي أخي، وترويع نسوتي!
فقال معاوية:
-يا هُدبَة! قُلْ
-فقال هدبة (مرتجلًا) :
ألا يا لقومي للنوائب والدهر ... وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد ... تلمأت عليه فوارته بلماعة قفر
فلا تتقي ذا هيبة لجلاله ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر
حتى قال:
رُمينا فرامينا فصادف رمينا ... منايا رجال في كتاب وفي قدر