ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ"، فَيُحْمَلُ الْكِتَابُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ. وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ هُوَ بِشَرْعٍ لَنَا. فَهَذِهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ تَدَلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ."
قَوْلُهُ:"وَأُجِيبَ"، أَيْ: أَجَابَ الْمُثْبِتُونَ عَنِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ بِمَا ذُكِرَ.
فَأُجِيبَ"عَنِ الْأَوَّلَيْنِ"; وَهْمَا: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} ، وَلَا قَوْلُهُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ"بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ"، وَهُوَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أَيْ: إِنَّ الشَّرِيعَتَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَتَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَاخْتَلَفَتَا فِي بَعْضِهَا، صَحَّ أَنْ يَكُونَ شَرْعُ إِحْدَى الشَّرِيعَتَيْنِ شَرْعًا لِمَنْ بَعْدَهَا بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ النَّبِيِّينَ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَنَافٍ. وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} لَا يَنْفِي كَوْنَ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصَهُ بِشَرِيعَةٍ لَا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَوْ بِبَعْضِهِ.
وَأُجِيبَ"عَنِ الْبَاقِي"، أَيْ: بَاقِي الْوُجُوهِ بِأَنَّ كُتُبَ مَنْ قَبْلَهُ"حُرِّفَتْ، فَلَمْ تُنْقَلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا"، فَلِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ أَحْكَامَ الْوَقَائِعِ الْعَارِضَةِ لَهُ فِيهَا، وَلِذَلِكَ غَضِبَ مِنْ نَظَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِطْعَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَصَوَّبَ مُعَاذًا