فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس بعد تقاربها، ولتناكر الأرواح بعد تعارفها، وهو مما يفقد الحوار قيمته وفائدته؛ وذلك لما يتركه من انطباع سييء لدى السامع؛ فالإنسان بطبعه يكره من يتعالى عليه، وينزله منزلة الجاهل.
والبديل الصحيح عن ذلك أن يتحدث المرء مستعملًا الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: ويبدو للدارس كذا وكذا، أو يقول: ولعل الصواب أن يقال كذا وكذا، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس. [1]
ي_تجاهل اسم المحاور:
كأن يقول المرء بين الفينة والأخرى لمحاوره: يافلان بغير اسمه تجاهلًا له، أو أن يناديه بلقب يكرهه.
ومن ذلك أن يكثر من إيراد ضمير المخاطب في مخاطبة محاوره كأن يقول: أنت، أو ما يشاكله كأن يقول: قلتَ، أو تكلمتَ، أو أخطأتَ، أو تعجلتَ، أو نحو ذلك.
فهذا مما ينافي الأدب، ويثير المحاور، ويجلب الضغائن.
فالأولى بالمرء أن لا يخاطب محاوره إلا باسمه مقرونًا بتفخيمه وتبجيله، وإنزاله المنزلة اللائقة به، وإن كنَّاه أو ناداه بلقب يَسُرُّه فحسن جميل. [2]
وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله_تعالى_: [يا أهل الكتاب] ، وقول: [يا أولي الأبصار] .
ويتأكد هذا الأدب في محاورة الصغير للكبير، والمرؤوس للرئيس ونحو ذلك.
(1) انظر في أصول الحوار ص75.
(2) انظر كيف تحاور ص21، 28، 29_30.