ولا يلزم من لديه علم أن يدخل في كل حوار؛ بل ينبغي له أن لا يدخل حوارًا إلا وهو عالم به؛ إذ أن مجرد علمه في الأصل لا يكفي.
وخير ما يستعين به المحاور عند إرادته الحوار في موضوعٍ ما_أن يجمع أطراف الموضوع، ويتصور جميع احتمالاته، ووجوهه، وأن يطلع على ما كتب فيه سواء من المؤيدين أو المعارضين، وأن يكون ذا نظرٍ ثاقبٍ، وخبرة عالية بظروف المكان والزمان، وتطورات العلوم والمعارف، وطبائع النفوس ونزواتها.
وكلما كان أحسن في عرض معلوماته وإثبات أفكاره_كلما كانت الاستجابة له أدعى وأكبر [1] .
ن_إصدار الأحكام في مستهل الحوار:
فمن المحاورين من يكون على بَيِّنةٍ من أمره، وعلى علم بمادة حواره، ولكنه يتعجل النتائج، فيصدر أحكامه في بداية حديثه، ويجهر برأيه الصريح في مستهل حواره، وهذا مما قد يسبب ردّ كلامه، والاعتراض عليه، والنفور منه ولو كان الحق معه.
فمن الحكمة أن يتدرج المحاور في طرح أفكاره، ومن حسن السياسة أن لايجهر برأيه الصريح في صدر مقاله.
وإنما يبتدأ بما يخف على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ثم يدنو من إيضاحه شيئًا فشيئًا، حتى لا يفصح عنه إلا وقد أَلِفَتْهُ نفوسهم، وهدأت له خواطرُهم.
(1) انظر في أصول الحوار ص33_34، والدعوة إلى الإصلاح ص54_55.