وعلى هذه الطريقة جرى مؤمنُ آلِ فرعونَ؛ فقد كان يكتم إيمانه وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله.
وكان يخشى بادرةَ غضبهم أو انتقامهم منه إذا هو صَرَّح بعقيدته.
وعندما أجمعوا على قتل موسى_عليه السلام_بادر هذا المؤمنُ الفرصةَ، واغتنم هذا الوقت، فقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتَخَلَّصَ إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بُعث به هذا الرسول دعوة ظاهرة.
قال_تعالى_: [وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم] (غافر: 28) .
فلقد فاتحهم بالإنكار على قتله، وهذا لايدل على أنه مُصَدِّقٌ برسالته؛ إذ قد ينهى العاقل عن سفك دم الرجل وهو من أبغض الناس إليه؛ تألمًا من مشهد الظلم، أو حذرًا مما ينشأ عنه فتنة.
ودل بقوله: [أن يقول ربي الله] على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأدمأ إلى أنه لم يجيء شيئًا نكرًا يستحق به هذه العقوبة الصارمة.
وذكّرهم إذ قال: =وقد جاءكم بالبينات من ربكم+بالدلائل القائمة على صدقه في دعوى هذه الرسالة، وأخذ يَتَقَرَّب بهذه الجملة من دعوتهم إلى ربه، ولم يرد التظاهر أنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح كما قال_تعالى_عنه: [وياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله، وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار] (غافر: 41_42) .