ووجْه الجمع بينهما: أن هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها [1] ،
لكنّ الله سبحانه وتعالى جعلَ مخالَطَةَ المريضِ بها للصحيح سببًا لإعدائه مَرَضَه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه [2] كما في غيره من الأسباب. كذا جمع بينهما ابن الصلاح [3] ، تَبَعًا لغيره [4] .
والأَولى في الجمع أنْ يُقال: إنَّ نَفْيَه - صلى الله عليه وسلم - للعدوى باقٍ على عُمومه [5] ،
(1) تعليق على الجمع بين الحديثين: هذا الجمع ليس هو الذي يقتضيه المنهج؛ ولهذا نقول:
بل الصحيح هو أن المنفي في الحديث هو ما كان سائدًا في الجاهلية مِن تخيُّلِ طبيعةِ انتقالِ العدوى بغير سببٍ صحيحٍ: مِن أسباب انتقال الأمراض المعدية التي يثبتها الشرع والعقل.
(2) قوله:"ثم قد يتخلف ذلك عن سببه": وهذا صحيح، وذلك لأسبابٍ أخرى أقوى، أو موانع، وليس إبطالًا لإثبات الأسباب الحاصلة شرعًا وواقعًا.
(3) في"مقدمته"ص 284.
(4) قد ذَكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في"فتح الباري بشرح صحيح البخاري"أقوال الأئمة في تفسير هذا الحديث بالتفصيل في 10/ 159 - 163، ولم يُرجِّح بين أقوالهم المتعددة، سِوى أنه رَدّ فكرة الترجيح بينه وبين حديث: (وفِرّ مِن المجذوم كما تفرُّ مِن الأسد) ، و (لا يوردنّ ممرِضٌ على مُصِحّ) ، وقال:"طريق الترجيح لا يُصار إليه إلا مع تعذُّر الجمع، وهو ممكِنٌ"، 10/ 159. وأقواله الآتية في تفسير هذا الحديث لم تَخرج عن تلك الأقوال التي نقلها في الفتح.
(5) وقوله:"والأَولى ... لا يُعْدي شيءٌ شيئًا". يقال فيه: بل هذا الجمع لا يصح أن يُفسَّر به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضلًا أن يكون هو الأَولى.
والمعنى الظاهر في حديثٍ، لا يصح أن يُتْرَك إلا لحديثٍ آخر.