فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 78

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى عدم مشروعية الجهر؛ لعدم ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والأمر في هذا واسع؛ لأن الأمثل في هذا هو الجهر؛ ولأن ابن الزبير كان يصلي وراءه جماعة -منهم أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى- وأقروه على ذلك مما يدل على أن العمل على ذلك. ومعلوم أن أعمال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ليست تشريعًا بذاتها، ولكنها إذا اشتهرت وكانت في جماعة فإنها تصبح تشريعًا، والاشتهار عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى يؤخذ من وجوه: منها: أن يثبت عن أحد من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى خبر من الأخبار في عبادة من العبادات أو في غيرها، ويرويه عنه جماعة من أصحابه، فهذا يدل على الاشتهار. ومنه: أن يقال: إن مثل هذا هو الذي عليه العمل، أو أن يفعل ذلك الصحابي الفعل في جماعة كما حصل هنا، فقد شهده أبو هريرة عليه رضوان الله تعالى و ابن الزبير وجماعة ممن كان معهم، فدل ذلك على الاشتهار من غير نكير، وحينئذٍ يقال: إن هذا هو الذي عليه العمل، وهو أقرب إلى التشريع، وقد يقال بالسنية في مثل هذا. وأما ما يقوله بعض الفقهاء: إن ما ثبت عن أحد من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في خبر من الأخبار ولم يخالفه أحد فيكون موقوفًا عليه، ويكون كالإجماع السكوتي، فإطلاق هذا القول فيه نظر؛ وذلك أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى قد يروى عنهم قول من الأقوال ولا يشتهر، فلا يرويه عنه إلا واحد من أصحابه، ويرويه عن هذا الواحد واحد، فكيف يقال باشتهاره؟ وكيف يقال: إن هذا إجماع سكوتي، أو أنه لا يعرف له مخالف؟ ويقال: أثبتوا شهرة القول عن هذا الصحابي ثم بعد ذلك قولوا: إن هذا إجماع سكوتي، ولو قلنا بهذا لقلنا بكثير من التشريع الذي لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه، وأمثلة هذا ونظائره كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت