ثم في الثانية يجلس للتشهد، وللعلماء عليهم رحمة الله تعالى في الجلوس للتشهد أقوال عدة: فقد ذهب جمهور العلماء وهو قول الإمام أحمد و الشافعي و أبي حنيفة إلى أن السنة في التشهد الأول في الرباعية والثلاثية الافتراش، واختلفوا في التشهد الأخير في الثلاثية والرباعية، فذهب الإمام أحمد إلى أنه يفترش في التشهد الأول من الثنائية، ويتورك في الثلاثية والرباعية في التشهد الأخير، وذهب الشافعي إلى أنه يتورك في آخر كل صلاة، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية. وكلهم استدلوا -الإمام أحمد و الشافعي- بظاهر حديث أبي حميد الساعدي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد الأول نصب اليمنى وافترش اليسرى) ، وقال أبو حميد في حديثه: (وإذا كان في آخر صلاته نصب اليمنى ومد اليسرى، وجلس على إليته اليسرى) ، قال الشافعي: وفي قوله: (في آخر صلاته) دليل على أنه كان تشهدًا فسواء كانت ركعتين أو ثلاثًا أو أربعًا فإنه يتورك فيها، ولكن هذا كله محتمل. وذهب أبو حنيفة إلى عدم مشروعية التورك، وأن الافتراش هو السنة بالإطلاق في التشهد الأول والأخير. وذهب الإمام مالك إلى التورك بكل حال حتى بين السجدتين، وهذا الذي عليه جماهير أصحابه، وقد خير الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى بين هذه الأفعال، وإن كان يميل إلى الافتراش في التشهد الأول، وإلى التورك في التشهد الأخير، وكأنه رخص في هذا وهذا، فكلها أحوال وأفعال فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، فلا حرج فيمن يختار شيئًا من ذلك. ولكن يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذه في أحوال وهذه في أحوال في صلاة واحدة؛ مما يدل على المغايرة، فيقال: إن الأمر في هذا واسع، وأنه إن افترش أو تورك فلا حرج في هذا كله.