وإذا قيل: إن الخشوع واجب وتركه محرم، فكيف يتحقق التحريم بالترك؟ إلا إذا قال الإنسان بسبب الاسترسال، فإذا قلنا بسبب الاسترسال فيقال: إن أصل الاسترسال لا يملكه الإنسان وهو أصل السهو، فكذلك استحضار الخشوع والاسترسال به مما لا يطيقه أكثر الناس.
ثم يكبر للركوع ويقول: الله أكبر، وهذه التكبيرة الثانية في الصلاة، وهنا مسائل عدة:
أولها: هذه التكبيرة هل هي واجبة أم لا؟ وكذلك ما يليها من تكبيرات الانتقال. قد تقدم الكلام على تكبيرة الإحرام ووجوبها، ولا خلاف في ذلك. أما القول بالركنية والوجوب لصيغ تكبيرات الانتقال ومنها هذه التكبيرة فقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الجماهير إلى السنية وهو الصحيح، وذهب الحنابلة إلى الوجوب؛ اعتمادًا على قول النبي عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، والصواب السنية من وجوه: أولها: أن ذات فعل النبي عليه الصلاة والسلام الأصل فيه الاستحباب إلا لقرينة، ومن هذه القرائن: المداومة، وفي إثباتها هنا نظر. ثانيها: أنه ثبت عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أنهم كانوا لا يتمون التكبيرة في الصلاة، وهذا مروي عن أبي هريرة من الترخيص فيه، وعن عبد الله بن عباس، وقبل ذلك عن عمر بن الخطاب بأسانيد صحيحة كالشمس. وأما الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، فانقلب الوجوب هنا، ولهذا نظائر لا يقولون بوجوبها، ويلزم من ذلك الاطراد.