فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 78

الخشوع في الصلاة سنة عند عامة العلماء -بل حكي الإجماع عليه- ولم يقل أحد من السلف بوجوبه، وقد يقال بالوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من الناس من لا يكتب له من صلاته إلا شطرها، قال: ربعها، وقال: خمسها، ومنهم من ترد عليه كالثوب الخلق) ، وفي هذا بيان للكراهة، ولكن قد يقال: إن هذا ليس فيه دليل على التحريم، وضد التحريم الوجوب، ولولا ما نقله بعض العلماء من حكاية الإجماع لقيل بالوجوب، وكذلك لا يعلم نص بوجوب الخشوع. وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه كان يجهز الجيوش في الصلاة، وكذلك ما جاء من مجموع بعض النصوص عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من رقبهم لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وما يذكرونه من وصفه في حال صلاته؛ مما يدل على أنه ربما يشك الإنسان في صلاته، والقول بوجوب الخشوع في الصلاة فيه شيء من التكليف بما لا يطاق؛ وذلك لأنه لا يوجد من الناس إلا وينصرف قلبه ولا يملكه، فكيف يتعلق الوجوب بشيء لا يستطيعه الإنسان، إلا إذا استحضره في صلاته. إذًا: الوجوب لا يتحقق في مثل هذا، وقد روى ابن جرير الطبري من حديث عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه قال في قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5] ، قال: أينا لا يحدث نفسه؟ وأينا لا يسهو في صلاته؟ فقال: ليس ما تذهب إليه، وإنما هو الذي يؤخرها حتى يخرج وقتها. ولا شك أن استحضار الإنسان لما يقرأه في صلاته وخشوعه فيها واستحضاره المعاني مما يتلوه من كلام الله سبحانه وتعالى هو أعظم أجرًا وثوابًا بالاتفاق، ولا خلاف في ذلك، وإنما الأمر في التعليق بالوجوب؛ لأن صوارف القلب لا يملكها الإنسان. وإذا قلنا: إنه واجب، فيقال: إن الواجب: هو ما يأثم الإنسان بتركه، وضده المحرم، وهو ما يأثم الإنسان بفعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت