{حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا} أي: جاء أمر الله بإهلاك الكفار بالموعود من الإغراق بالطوفان {وَفَارَ التَّنُّورُ} قال ابن كثير: التنور وجه الأرض أي صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماءً، وهذا قول جمهور السلف والخلف {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: قال الله جل ثناؤه احمل يا نوح في السفينة كمن كل صنف من المخلوقات اثنين: ذكرًا وأنثى {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} أي: واحمل في السفينة أهلك وهم أهل بيتك وقرابتك أولادك ونساءك، إلا من حكم الله بهلاكه لكفره، والمراد به ابنه الكافر (كنعان) وامرأته (واعلة) {وَمَنْ آمَنَ} أي: واحمل معك من آمن من قومك {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي: وما آمن بنوح إلا نزر يسير مع طول إقامته بينهم وهي مدة تسعمائة وخمسين سنة، قال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا منهم نساؤهم، وعن كعب كانوا اثنين وسبعين نفسًا، وقيل كانوا عشرة.
الأحكام والفوائد والدروس:
1 -عبر بـ {إِذَا} التي تفيد التحقيق والتأكيد، ولم يعبر بـ {إِنْ} التي تفيد التشكيك والاحتمال، ليدل على تحقق أمره وتأكيده وتحقيقه بلا شك، وذلك في قوله {حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا} .
2 -قوله: {مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل صنف من حيوانات البر اثنين أي ذكر وأنثى، ولم يستثن حيوانات البحر لأن العقل يدركها بنفسه، فهي لا تهلك بالماء، ثم لو حملت في السفينة لهلكت بالبعد عن الماء، وكذلك مستحيل على نوح عليه السلام حصرها وجمعها.
3 - {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} يدل على أن الله يعاقب الكفار والمجرمين دون غيرهم بسبب كفرهم وإجرامهم دون تمييز بين الناس حتى لو كانوا أبناء أنبياء.
4 -اختلف العلماء في المراد من التنور إلى أقوال عديدة:
أ- وجه الأرض.
ب- التنور الذي يخبز به، وهو (الفرن) .
ج- موضع اجتماع الماء في السفينة.
د- طلوع الفجر.
هـ- مسجد بالكوفة.
و- أعالي الأرض والمواضع المرتفعة.
5 -يطلق لفظ (الزوجين) للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، فيقال: عنده زوجا حمام، وله زوجا نعلٍ، قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} (النجم: 45) ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها، ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل