وهذا كله يجمل أجمله في كتابه وأحال على نبيه في بيانه {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) فبين - صلى الله عليه وسلم - مواقيت الصلاة وعدد الركعات والسجدات وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها وما تصح الصلاة إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل فقال في صحيح البخاري: {صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي} [1] .
التفسير العام:
{وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي: اصبر يا محمد على ما أمرت به من الاستقامة وعدم الطغيان والركون إلى الذين ظلموا وعلى إقام الصلوات وعلى أذى قومك وكل ما يحتاج لصبر، فإن صبرت فإن الله معك ومع كل المحسنين لا يضيع شيئًا من ثوابكم ولا يهمله ولا يبخسه ولا ينقصه بل يوفيكم أجوركم.
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ 116} وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ {117} وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {119} وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ {120} وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ {121} وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ {122} وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {123} .
المناسبة:
بعد أن ذكر الله سبحانه بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم، وعقب بتسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرح أحوال الكفرة من قومه، ناسب هنا أن يعود إلى أحوال الأمم الخالية الهالكة، لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر بالرشاد.
(1) صحيح البخاري 3/ 7, ح 595.