خامسًا: إلهاء الإنسان في الأمور المباحة: إذا عجز الشيطان أن يوقع الإنسان في صغائر الذنوب، دعاه إلى الاشتغال بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوات الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله به. [1]
سادسًا: الاشتغال بالمفضول عما هو أفضل منه: إذا عجز الشيطان أن يشغل الإنسان بالأمور المباحة، وكان الإنسان حافظًا لوقته، شحيحًا به، يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها، وما يقابلها من النعيم والعذاب، حاول أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه، ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمر بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقل من ينتبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًا ومحركًا إلى نوع من الطاعة، لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكاد يقول: إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير، فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوِّت بها خيرًا عظيمًا من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين، خاصتهم وعامتهم، ولا يعرف ذلك إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض، وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك، فلا يخطر بقلوبهم، والله يمن بفضله على من يشاء من عباده. [2]
سابعًا: تسليط الإنس والجن: إذا عجز الشيطان عن إيقاع الإنسان في واحدة مما سبق، سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع، والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر.
فحينئذ يلبس المؤمن لامَةَ الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أُسِرَ وأُصِيبَ فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله. [3]
(1) التفسير القيم لابن القيم ص 613
(2) التفسير القيم ص 613، 614
(3) التفسير القيم لابن القيم ص 614