(الحمدُ لله نحمدُهُ وَنَسْتَعِينُه، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سيّئآتِ أعْمَالِنَا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضَلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بعد:
أَيُّها النَّاس، اسمعوا قولي، فَإنّيَ لاَ أَدْرِي، لعَليّ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامي هَذَا، بهذا الموقف أبدا
أيها الناس إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ [1] كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا [2] أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها،،ألا و إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع [3] و دماء الجاهلية موضوعة ... وإنَّ رِبَا الجَاهِليّة مَوضوعٌ [4] ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإنّ أَوّلَ ربًا أَبْدأُ بِهِ رِبَا عَمّي العباسُ بن عبد المطلب [5] وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أيها الناس فإن الشيطان [6] قد أيس [7] من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم [8] فاحذروه على دينكم.
(1) الحرام هو: ما طلب الشارع تركه طلبًا جازما , وحكمه يثاب تاركه ويعاقب فاعله , والمعنى: لا تحل
(2) أي يحرم فيه القتال، وكذلك الشهر، وكذلك البلد.
(3) والمعنى أنه أبطل كل شيء من أمور الجاهلية وصار كالشيء الموضوع تحت القدمين فلا يعمل به في الإسلام، فجعله كالشيء الموضوع تحت القدم من حيث إهماله وعدم المبالاة به. انظر: شرح النووي 8/ 432، وشرح الأبي 4/ 255، وفتح الملك المعبود 2/ 18.
(4) ساقط لا حساب له لأنه جاء من حرام، فالله تعالى لا يرضى للعبد غير الطيب.
(5) والمعنى الزائد على رأس المال باطل أما رأس المال فلصاحبه بنص القرآن، انظر: شرح النووي 8/ 433.
(6) وهو: إبليس الرئيس، أو الجنس الخسيس.
(7) "قد أيس أن يعبد"قال القارئ: أي: من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى؛ لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار".وقيل: معناه: إن الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا مثل أصحاب مسيلمة، ومانعي الزكاة، وغيرهم ممن ارتد؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم."
ويحتمل معنى آخر: وهو أنه أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى أن المصلين من أمته لا يجمعون بين الصلاة، وعبادة الشيطان؛ كما فعلته اليهود والنصارى. ولك أن تقول: معنى الحديث: إن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك، ويستمر، ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبدت الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود، ولكن ستكون للشيطان طاعة فيما تحقرون من أعمالكم التي هي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر، وتحقير الصغائر، فسيرضى بالمحتقر؛ حيث لم يحصل له الذنب الأكبر؛ ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيرًا في المسلمين، وقليلًا في الكافرين؛ لأنه قد رضي من الكفار بالكفر، فلا يوسوس لهم في الجزئيات، وحيث لا يقدر على المسلمين بالكفر فيرميهم في المعاصي.
(8) قال الطيبي - رحمه الله تعالى: قوله:"فيما تحتقرون"أي: مما يتهجس في خواطركم، وتتفوهون عن هناتكم، وصغائر ذنوبكم، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب، كقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم."