4 -و في قول الله عز وجل: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [1] وفي ذلك إشارة إلى ما كانوا عليه من التعصب لغير الحق، والأنفة من الانقياد للحق، والاعتزاز الباطل بالأحساب والأنساب.
فجاءت كلمات النبي في هذا اللقاء الجامع لتبطل كل ما كانت الجاهلية تفخر وتتمسك به من تقاليد العصبية القبلية و فوارق اللغة و الأنساب و العرق و استعباد الإنسان لأخيه الإنسان بأغلال الظلم و المراباة ولتلغي جميع قيم الجاهلية الفاسدة وعقائدها الباطلة وسلوكها المعوج، و لتجعل كل هذه المواريث محقرة في ضمير المسلم وتحت موطئ قدمه، يقول النووي رحمه الله: (في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمربمعروف أو ينهى عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام [2]
إن الحياة العربية قبل الإسلام التي وصفت بالجاهلية كانت قائمة على أساس العصبية، عصبيّة الدم و الرحم، و عصبيّة العشيرة و القبيلة، والعصبية هي المحاماة والمدافعة , وهي مأخوذة من العصبة , وهم الأقارب من جهة الأب , لأنهم يعصّبونه ويعتصب بهم , أي يحيطون به ويشتد بهم [3] فالعصبية هي أن يدافع الإنسان عن أقاربه أو عشيرته أو قومه بغير حق, كما جاء في حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قلت: يارسول الله ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم" [4] وذلك يعدُّ هبوطا من المستوى الرفيع الذي رفع الله جل وعلا المسلم إليه, حيث رفعه من التفكير في الروابط الدنيوية المحدودة إلى التفكير في الرابطة الدينية الواسعة , فإذا هبط تفكيره عن هذه الرابطة السامية فإنه يتعلق بالروابط الدنيوية الضيقة , ثم لايزال يُضيق الدائرة حتى يصل إلى الأنانية البغيضة والأثرة القاتلة."
(1) الفتح 26.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي , باب حجة النبي (صلى الله عليه وسلم) (2905) .
(3) النهاية لابن الأثير 3/ 245.
(4) أخرجه الإمام أبو داود وسكت عنه كتاب الأدب باب في العصبية رقم 5119.