الأخوة التى بُنيت على العقيدة، بشمولها وكمالها، إلا يوم أن تحولت هذه الأخوة إلى واقع علمى ومنهج حياة، تجلى هذا الواقع المشرق يوم أن آخى النبى ابتداءً بين الموحدين في مكة ثم آخى ثانيًا بين أهل المدينة من الأوس والخزرج، تلكم الأخوة التى لا يمكن أبدًا على الإطلاق، أن تدانيها أخوة تنبنى على أواصر العقيدة أو العرض أو النسب أو الدمأو اللون مستحيل. ومن ثم فأخُوَّة المؤمنين أرفع أخوة، وأسمى علاقة يمكن أن توجد بين البشر، فأخُوَّةُ المؤمنين تزري بأخُوَّةِ الأشقاء، ورابطة العقيدة أقوى من رابطة النسب، ولما قال نوح عليه السلام: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [1] قال له ربه جل وعلا: (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2] .
واليوم لم تعد الأخوة إلا مجرد كلمات جوفاء باهتة باردة، فأنت ترى المسلم الآن ينظر إلى إخواته هنا وهناك يذبحون ذبح الخراف، وتنتهك أعراض نسائهن، بل ويطردون من أرضهم وديارهم وبلادهم، ومع ذلك ينظر المسلم إلى هؤلاء الإخوة فيضحك ملء فيه، ويأكل ملء بطنه، وينام ملء عينيه، ويهز كتفيه ويمضى وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد.
1 -قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) [3] قالها سبحانه وتعالى في كتابه، وأتى بها رسول الهدى (صلى الله عليه وسلم) في الأرض، وآخى بين أصحابه، فلا قبائل ولا حزبيات ولا عصبيات ولا ألوان، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [4] فأكرمنا: أقربنا إلى الله، وليس أكرمنا فلان بن فلان.
يقول صلى الله عليه وسلم: ( «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم، هم حصب جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل يدهده الخرء بأنفه» [5] .
(1) هود: 45
(2) هود: 46
(3) الحجرات: من الآية 10
(4) الحجرات: من الآية 13
(5) حديث صحيح رواه أبو داود في سننه